خبر : في الانضمام للاتفاقيات الدولية: ضعف القوة وقوة الضعف..عصام يونس

الجمعة 25 أبريل 2014 02:49 م / بتوقيت القدس +2GMT
في الانضمام للاتفاقيات الدولية: ضعف القوة وقوة الضعف..عصام يونس



في لقاء شاركنا فيه اليوم حول انضمام دولة فلسطين للاتفاقيات الدولية، اعترض استاذ للقانون، عندما بدأت حديثي حول الموضوع بنقطة تأسيسية بأن من يقبض على القانون الدولي هو الضعيف الذي يرى فيه رافعة للحق ورفعا للظلم، لا القوي الذي ينتهكه ويرفض الانصياع لقواعده، والضعيف هنا هو الضحية، والضحية هي الأقوى أخلاقيا، بالنظر إلى عدالة قضيتها ولا عدالة قضية الأقوى.وتأكيدا على مبتدى الحديث، فإن من ينشد العدالة هو من حرم منها ومن يتنكر لها هو من يرفض الاقتراب منها، بل ويعمل على عدم اقتراب الآخرين منها ما استطاع إلى ذلك سبيلا. إذن فالقانون بهذا المعنى هو سلاح في يد الضحية وجب عليها أن تحسن استخدامه في معركتها المفتوحة نحو العدالة ممارسة لدور الضحية بمنتهى الجدارة والاستحقاق بما لا يتيح للجلاد ان يقاسمها تلك الحقيقة بادعائه أنه ضحية الضحية.

حصلت فلسطين على صفة الدولة العضو في نوفمبر 2012، وبصفتها تلك أصبحت لها شخصية الدولة التي تمكنها من الانضمام للاتفاقيات الدولية كعضو في جماعة الأمم.

وقد استغرق الانضمام لخمسة عشر اتفاقية من أصل 63اتفاقية دولية،سنة وأربعة شهور منذ الحصول على تلك الصفة. وبغض النظر عما يراه كثيرون من سبب لقرار الانضمام لتلك الاتفاقيات، والذي يعزوه كثيرون لفشل المفاوضات وانسداد أفق ممكنات حصول الفلسطينيين على الحد الأدني من حقوقهم المشروعة، فإن الانضمام لها يعتبر تطورا مهما وجب التامل فيه والنظر إليه بايجابية دون تكلف أو مبالغة. وبعيدا عن محاكمة النوايا، فإن الخطوة تمثل فعلا سياسيا هاما واستكمالا لفعل سابق كان قد ابتدأ بالتوجه للامم المتحدة ومن ثم الحصول على الصفة الجديدة، وقيمته، قبل أي شيء، تكمن في أنه استكمال لفعل وجب توصيفه بأنه مبادر، نادرا، ما مارسه النظام السياسي، الذي تعرض ولا زال لانكشاف خطير نظرا لفقدانه، أو إفقاده، زمام المبادرة حيث أبقته عملية اوسلو، على وجه الخصوص، منفعلا ومتلقيا،كما أكياس الرمل، يحكمه إلى حد كبير ردود الأفعال وليس ذات الأفعال. تسبب ذلك في أزمة خطيرة تمظهرت ولا زالت في هشاشته وانكشافه وتعرضه لضغوط لم يقو على مقاومتها ولمشاغلات متلاحقة أربكته واجبرته على الركض في الفرعيات، دون قدرة على التقدم خطوة إلى الامام بفعل يشاغل العالم بدلا من أن يشاغله. إن الانضمام للاتفاقيات الدولية هو ممارسة لحق طبيعي اكتسبته دولة فلسطين بصفتها الجديدة وهو إيذان بإعادة موضعة مكانتها كدولة تحت الاحتلال في الفضاء الدولي.

الانضمام للاتفاقيات التي خلا منها التوقيع على ميثاق روما المنشيء لمحكمة الجنايات الدولية، يعتبر خطوة هامة في امتحان الجدارة والاستحقاق للمؤسسة الفلسطينية وللنظام السياسي ضمن جماعة الأمم المتحضرة التي تتوق فلسطين أن تأخذ مكانها الطبيعي والمستحق فيه، بالتأكيد على احترام حقوق الانسان والجهوزية لإخضاعه لأنظمة الرقابة والمراجعات الدورية التي تنظمها الاتفاقيات المختلفة، والقبول بما يلقيه ذلك الفعل من واجبات عليه تجاه مواطنيه وحماية كراماتهم وحقوقهم.

إن التوقيع على الاتفاقيات ومن قبلها الصفة الجديدة يوفر هوامش جديدة للفعل السياسي والدبلوماسي والقانوني لم تكن متوفرة سابقا، بالانضمام لأجسام ومؤسسات واستحواذ صلاحيات جديدة، في سعي الفلسطينيين لحصولهم على حقوقهم المشروعة غير القابلة للتصرف وأولها حقهم في تقرير مصيرهم. ومما لاشك فيه أن توظيف تلك الهوامش والعمل مع باقي الفاعلين الدوليين وصولا لتلك الغاية يتطلب إرادة سياسية وجب توفرها وتظهيرها، بما يعني انه يجب التسليم بأنه لا خطوة للوراء ولا خضوع لضغوط سوف تمارس حتما على الفلسطينيين. إن الإرادة الفلسطينية التي كانت غائبة في مناسبات كثيرة وفرت للفلسطينيين فرصة لامكانية مشاغلةدولة الاحتلال وملاحقة قادتها السياسيين والعسكريين المتورطين في جرائم حرب، اولها تقرير غولدستون، الذي وصف ما ارتكبته قوات الاحتلال في غزة أثناء عدوانها على القطاع في العام 2008-2009 بأنها ترتقي إلى مستوى جرائم الحرب والجرائم ضد الانسانية، وثانيها، الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية فيما يخص جدار الفصل العنصري الصادر في العام 2005، والذي اعتبر الجدار غير قانوني مؤكدا على المركز القانوني للأراضي الفلسطينية بأنها أراض محتلة بما يعني أن ما قامت به دولة الاحتلال من تغيير لمعالم الجغرافيا والديمغرافيا في الأراضي المحتلة، بأنه غير شرعي ولا قيمة قانونية له. لقد كان لغياب الارادة وعدم توفرها السبب الأساس في إزاحة تقرير غولدستون عن أجندة الاجتماع الدولي بدلا من العمل على أخراج توصياته إلى النور وإبقاء الرأي الاستشاري حبيس الأدراج بدلا من توظيفه في مقاومة الاستيطان والجدار العنصري.

إن أهم ما وقع عليه الرئيس عباس هي اتفاقيات جنيف الأربعة لما تحمله من ممكنات حقيقية لتثبيت الحقوق الفلسطينية ولتظهير المركز القانوني للأراضي الفلسطينية كأراض محتلةوهو المركز الذي تعرض لاختلالات خطيرة انتجهتها عملية أوسلو، نظرية وممارسة. وكطرف سام متعاقد قد يتمكن الفلسطينيونمنتحريك نظام الحماية الذي توفره الاتفاقية الرابعة والدعوة لعقد مؤتمر الأطراف السامية المتعاقدة عليها للبحث في تطبيقها في الأراضي الفلسطينية المحتلة.

على ضوء التطورات الهائلة في الاقليم وعلى المستوى الكوني، تبدلت الاهتمامات وتغيرت الأولويات، فالصراع القائم في سوريا والتطورات في الملف النووي الايراني والجوار الروسي إلى غيرها من التطورات المتلاحقة، دفعت القضية الفلسطينية كبند متقدم على جدول أعمال العالم إلى أسفله، ويكمن التحدي الكبير امام الفلسطينيين الآن، هو كيف يعيدون الاعتبار لقضيتهم وجعلها بندا متقدما على تلك الأجندة؟ إن جواب السؤال يكمن إلى حد كبير فيما قد توفره الفضاءات الجديدة المكتسبة من ممكنات إذا توفرت الإرادة السياسية.

ويبقى الأهم في ذلك كله، هو واجب التوقيع على ميثاق روما المنشيء لمحكمة الجنايات الدولية "أم الاتفاقيات" والتي اصبح الانضام إليها "فرض عين" يفرضه حكما انسداد أفق العدالة أمام الفلسطينيين، ومواصلة قوات الاحتلال ارتكابها لجرائم حرب منظمة بحق السكان المدنيين وممتلكاتهم في الأراضي الفلسطينية، وهي القوات التي تحظى بحصانة وغطاء قانوني وسياسي توفره لها أطراف بعينها في المجتمع الدولي. إن الانضمام للمحكمة الجنائية الدولية يوفر للضحايا من الفلسطينيين فرصة مهمة وأملا جديدا لضمان عدم إفلات المجرمين من العقاب.

إن الانضمام للمحكمة، من جهة، هو التعبير الأبرز عن توافر الارادة السياسية ومن جهة ثانية، يمثل ترجمة سياسية وقانونية لما تضمنه خطاب الرئيس عباس في نيويورك في سبتمبر 2012 عندما شكا لضمير العالم، أنه لم يعد ممكنا التفاوض على أسس المرجعيات السابقة التي لم تحقق لا أمنا ولا سلاما بل وباعدت بين الفلسطينيين وأمكانية حصولهم على حقوقهم المشروعة. إن ذلك يعني رفضا، مرة وللأبد، بما شاع من وهم بأن السلام والعدالة خطان لايلتقيان، فلا يمكن لسلام أن يتحقق دون عدالة كاملة، ولا عدالة كاملة ممكنة التحقق دون تمتع الفلسطينيون بحقوقهم المشروعة غير القابلة للتصرف وضمان عدم افلات المجرمين من العقاب.