كانت البحرين هي الدولة العربية الثالثة بعد تونس و مصر التي تندلع فيها ثورات (الربيع العربي) , حيث انطلقت فيها الثورة يوم الاثنين الموافق 2014-2-14 المعروف بيوم الغضب كما أطلق عليه من دعا للمظاهرات من الناشطين على مواقع التواصل الاجتماعي, و بالرغم من أن مطالب الثوار في مجملها عامة تدعو إلى الإصلاح السياسي و الاجتماعي في إطار الملكية الدستورية ,إلا أنها قد ألبست ثوب المذهبية, وكأنها ثورة الشيعة المحكومين ضد السنة الحاكمين في البحرين , و اتهمت بالعمالة لإيران وحزب الله لتثبيت هويتها المذهبية الشيعية , و شارك في هذه الحملة الممنهجة المقصودة, أجهزة إعلام تخدم بعض الأنظمة الحاكمة في الخليج العربي , و التيار السلفي الوهابي في الخليج , و بعض رموز التيار الاخواني .و السؤال الذي يطرح نفسه هو عن السبب وراء مذهبة الثورة في البحرين من قبل أنظمة الحكم الخليجية و بعض تيارات الإسلام السياسي.
وللإجابة على هذا السؤال لا بد من العودة إلى طبيعة نظام الحكم في البحرين. فلقد حكمت أسرة آل خليفة المهاجرة من نجد إلى البحرين منذ ما يزيد على قرنين من الزمان , وأول من حكم البحرين من آل خليفة هو أحمد بن محمد بن خليفة المسُمى (أحمد الفاتح)عام 1782 م لأنه أول من استقل بحكم البحرين بعد طرد الإيرانيين منها و قضى على أطماع الأسر الخليجية الأخرى, و عندما توفي في عام 1794 خلفه ابنه (سلمان بن حمد), وبعد وفاته عام 1821 م خلفه أخوه (عبد الله بن أحمد), وفي عهده دب النزاع بين آل خليفة على الإمارة، وحدث صراع دموي تخلله استعانة بالأسر الخليجية الحاكمة الأخرى استمر عشرات السنين, و تخلله أيضاً صراع على النفوذ في الخليج العربي بين الدولة العثمانية الآخذة بالأفول وبين الإمبراطورية البريطانية الصاعدة, حتى حُسم الأمر في البحرين لصالح بريطانيا بتوقيع معاهدة الحماية عام 1880... و لقد استقلت البحرين عن بريطانيا عام 1971في عهد الشيخ (عيسى بن سلمان بن حمد) و أصبح اسمه أمير دولة البحرين حتى وفاته عام 1999م وتوّلى ابنه الشيخ ( حمد بن عيسى) الإمارة الذي غيّر اسم البحرين إلى ( مملكة البحرين) وأصبح ملك البحرين عام 2002م , وفي عهده صدر أول دستور مكتوب للبحرين, وأجُريت بعض الإصلاحات السياسية بعد موجة من الاحتجاجات الشعبية في أواخر التسعينات.
فطبيعة نظام الحكم في البحرين من خلال العرض السابق هو حكم عائلي فردي كبقية الأسر الحاكمة في الخليج العربي التي تستند في حكمها على شرعية الأسرة الحاكمة المستمدة من وجودها التاريخي الطويل في الحكم المدعوم بقوة السلاح بيد العصبة أو القبيلة الملتفة حول الحاكم وأسرته،والآن من الجيش و قوى الأمن التابعة للدولة نظريا و للأسرة الحاكمة عملياً, و بعد النفط أصبحت هذه الشرعية المكتسبة من قوة المال-بعد السلاح-الذي يعُتبر ملكاً احتكارياً للحاكم الفرد وأسرته و عائلته و قبيلته, ثم يأتي بعد ذلك القوى العسكرية و الأمنية التي تحمي نظام الحكم القبلي, و أخيراً يُصرف منه على الشعب من خلال ما تقدمه الدولة من خدمات لهم, وأحياناً يُدفع كرشوة مباشرة للفئات المهمشّة من المواطنين نظير عدم قيامهم بالثورة.
وهناك شرعية أخرى تستند إليها هذه الأسر الحاكمة بما فيها البحرين , وهي الشرعية الدينية من خلال ادعائها بحماية الإسلام (السني) مقابل خطر الإسلام (الشيعي)القادم من إيران و هي بذلك تستخدم المذهبية بطريقة سياسية انتهازية لتثبيت نظام الحكم الاستبدادي في هذه الدول و بالتالي المحافظة على مكتسبات الأسر الحاكمة و الفئات المتحالفة معها كالمؤسسات الدينية و الاقتصادية المستفيدة من الوضع القائم. فالثورة في البحرين تهدد هاتين الشرعيتين : التاريخية و الدينية, ولذلك جاءت إستراتيجية مقاومتها تعتمد على ركنين يكملان بعضهما البعض, و متفق عليهما من دول مجلس التعاون الخليجي , وتم ترجمتها من خلال استخدام قوات ردع الجزيرة في ضرب الثورة منذ بدايتها , رغم أنها حافظت في طابعها العام على سلميتها, و كذلك باستخدام القوة الإعلامية الضخمة لمذهبة الثورة, و تصويرها على أنها ثورة الشيعة ضد السنة في البحرين لمحاصرة الثورة في البحرين و منع التعاطف معها تمهيداً لإجهاضها , وذلك خوفاً من امتدادها إلى بقية دول مجلس التعاون الخليجي و تهديد الأسر الحاكمة فيها.
و تعمد مذهبة الثورة في البحرين ,وتصويرها بأنها ثورة الشيعة الذين يسعون للإطاحة بنظام حكم آل خليفة السُني , يستمد وقوده من حقيقة لا يمكن إنكارها , وهي أن غالبية المشاركين في الثورة هم من مواطني البحرين المنتمين إلى المذهب الشيعي الجعفري وكذلك بعض التصرفات و الشعارات ذات الطابع المذهبي الصادرة منهم, وهذه الحقيقة لا تعطي أي مصداقية لهذا الزعم لسبين واضحين وهما: أن غالبية سكان البحرين من المواطنين هم المنتمين للمذهب الشيعي, فعدد سكان البحرين حسب آخر الاحصائات بلغ حوالي مليون وثلاثمائة ألف, نصفهم من الوافدين الأجانب الذين لا يحملون الجنسية البحرينية , أي نصف السكان , والنصف الباقي – أي المواطنين – يبلغ عدد سكان الشيعة منهم من 50 -70بالمائة حسب تقديرات غير رسمية . والسبب الثاني أن السكان الشيعة في البحرين غير ممثلين في النظام السياسي و الإداري بما يناسب عددهم , كما أن وزارتي الدفاع( الجيش) و الداخلية (الشرطة) من الدوائر شبه المغلقة عليهم , ومنهم الفئات أكثر فقراً , ولذلك فمن الطبيعي أن يشاركوا في الثورة من أجل يحققوا لهم دوراً في الحياة السياسية في بلدهم , ومن أجل تحقيق العدالة الاجتماعية أسوة ببقية مواطني الدولة.
ومع ذلك فان الموقعين على ( وثيقة المنامة) بتاريخ 12أكتوبر 2011 التي لخصت مطالب الثورة بالإصلاح السياسي و الاجتماعي في ظل الملكية الدستورية , وتداول السلطة الحكومية , ووقف التجنيس السياسي , وإطلاق حرية الرأي والتعبير وتشكيل الأحزاب.... هذه الجهات التي وقعت على وثيقة المنامة تضم إلى جانب جمعية الوفاق الوطني الإسلامية (الشيعية) جمعيات أخرى ليست لها هوية مذهبية محددة , وهي: جمعية العمل الوطني الديمقراطي –وعد(قومية يسارية ليبرالية), و جمعية التجمع القومي الديمقراطي(بعثية) , و التجمع الوطني , وجمعية الإخاء الوطني. و قد ظلت جمعيتا المنبر الوطني الإسلامية (اخوانية) و الأصالة (سلفية) خارج إطار هذا التجمع الثوري .كونهما متحالفين مع آل خليفة و نظامهما الحاكم.
وكلمة الفصل عن الثورة و المذهبية في البحرين أن سلاح الفتنة المذهبية يوّظف من قبل الجهات المستفيدة منها حسب الطلب , فهو يُستخدم في البحرين لتثبيت نظام حكم أل خليفة, من ورائه أنظمة حكم الأسر الخليجية الأخرى , بتصوير الثورة
بأنها ثورة الشيعة المحكومين ضد السنة الحكام , و يُستخدم في سوريا لتقويض و إسقاط نظام الحكم في دمشق بطريقة عكسية , وذلك بتصوير الثورة بأنها ثورة الغالبية السنية على الأقلية الشيعية الحقيقة إن ما يحدث في البحرين هي ثورة شعبية قام بها السنة و الشيعة معاً ضد استبداد نظام الحكم العائلي فيها.


