خبر : بانتظار اللحظة التاريخية:إرهاصات المصالحة تقرع الأبواب..د. أحمد يوسف

الأربعاء 23 أبريل 2014 03:15 م / بتوقيت القدس +2GMT
بانتظار اللحظة التاريخية:إرهاصات المصالحة تقرع الأبواب..د. أحمد يوسف



بالرغم من نبرة التفاؤل العالية التي عبرت عنها تصريحات الإخوة المسئولين في قيادة كل من فتح وحماس، وتطمينات البعض في فصائل العمل الوطني والإسلامي، ومشاهد الابتسامات العريضة التي حملتها صور الاستقبال سواء في معبر بيت حانون (إيرز) أو اللقاء الموسع في بيت الأخ رئيس الوزراء أبو العبد هنية، والتي تحمل في طياتها لمن يقرأ صفحات الوجوه تعبيرات تنم عن حالة انفراج تبشر بالخير.. الحقيقة الوحيدة المؤلمة في المشهد الفلسطيني العام هي عدم اطمئنان الشارع أن هذه الجولة مغايرة لكل الجولات السابقة على مدار عدة سنوات ..طفنا في العديد من العواصم العربية والإسلامية بحثاً عن إنجاز ولكن دون جدوى.. صحيح أن حماس وقعت اتفاق القاهرة في مايو 2011م واتفاق الدوحة في عام 2012م، ولكن ظلت حالة المراوحة في المكان هي سيدة الأحكام.!!

في اليوم الذي تم فيه الإعلان عن صول الوفد إلى غزة أجريت أكثر من 32 مقابلة تلفزيونية وإذاعية امتدت منذ الصباح الباكر وحتى الساعة الحادية عشر ليلاً، حيث غادرت الفندق الذي ستعقد فيه الجلسات والذي اكتظت ساحاته الخارجية بسيارات البث المباشر وجيش جرار من الصحفيين في مشهد ذكرني بيوم الاعتداء الإسرائيلي على سفينة التضامن التركية (مافي مرمرة) في عرض البحر، والتي سقط فيها الكثير من الشهداء والجرحى، كان يوماً حافلاً بالمقابلات الإعلامية، وقد تمكنت من إجراء حوالي ستين مقابلة مع فضائيات وإذاعات عربية وأجنبية كوني رئيس اللجنة الحكومية لكسر الحصار، وهذا كان كافياً – آنذاك - لإدخالي كتاب "جينس" للأرقام القياسية.. اليوم مشهد الاهتمام الإعلامي بوفد الرئيس للمصالحة يذكرني بذلك اليوم من نهاية شهر مايو 2010م بكل وقائعه الدرامية وأحداثه المتفاعلة على مدار الساعة.

لقد كتبت مقالاً قبل أربعة أيام، بعنوان "وفد الرئيس للمصالحة والأمل المنشود: مازال الوطن يسكن فينا" وكان منسوب التفاؤل عندي لا يتجاوز 50%، وعندما علمت بقدوم د. موسى أبو مرزوق ومشاركته في الحوار زادت جرعة التفاؤل إلى 70%، وربما اليوم ارتفعت درجة التوقعات ما بين 80 – 90%، وهي مرشحة للزيادة خلال اليومين القادمين.

الشارع متخوف وقلق من أي فشل يمكن أن تأتي به هذه الجولة، حيث إن خياراته الأخرى كلها كارثية، وربما تسوق الوضع للانفجار الداخلي أو باتجاه الحدود والمواجهة مع جيش الاحتلال، لقد أضحت الحالة الفلسطينية مأساوية بإمتياز، فالإحباط والكآبة وحالات الفقر المدقع والبطالة المستشرية بمعدلات قد تصل إلى 45% والمستقبل القاتم والمجهول لجيل الشباب كلها وصفات لمرجل يشتعل غلياناً، ولا يتحمل أية ضغوطات إضافية أخرى.

الكل ينتظر ويترقب ويرجو ويأمل، وعيون التاريخ وصفحاته هي الآن على ما يجري داخل أروقة وصالات فندق (الأركميد) في منطقة السودانية،وفي مضافة الأخ أبو العبد هنية على شاطئ بحر غزة الأبية.

قبل بدء فعاليات وفد الرئيس للمصالحة الوطنية بدأنا يومنا بمؤتمر صحفي لهيئة الوفاق الفلسطيني، عقدناه في معهد بيت الحكمة بغزة، وقد حضرت للتغطية جحافل المؤسسات الإعلامية المحلية والعربية، بشكل يعكس درجة الاهتمام العالية لتغطية الحدث التاريخي في الحياة السياسية الفلسطينية.. لقد عملنا بهيئة الوفاق التي تضم أطيافاً سياسية وفصائلية ومستقلين كجسد واحد، من أجل تقديم رؤية سياسية وموقف يليق بمقام اللحظة التاريخية التي نعيشها، بحيث تعكس نبض الشارع الفلسطيني، وتجسد مستوى اهتمامنا وشعورنا بالمسئولية الوطنية العليا تجاه شعبنا وقضيتنا، وقمنا بجمع تواقيع أكثر من مائة وعشرين شخصية اعتبارية من سياسيين وبرلمانيين وأكاديميين ومسئولين في فصائل العمل الوطني والإسلامي ورؤساء منظمات المجتمع المدني للتعبير عن وقوفنا جميعاً خلف وفد الرئيس للمصالحة.. وتأكيداً لتوثيق تلك اللحظة التاريخية في تحرك هيئة الوفاق الفلسطيني، فإني أعرض لبعض ما قدّمناه في ذلك البيان من نقاط تمثل مطالب وتطلعات شعبنا، لما يمكن إنجازه من وراء جولة "نهاية الأحزان"،التي فرضتها علينا – للأسف - حالة الانقسام، جراء ما وقع من أحداث دامية في يونيه 2007م.

حيث أكدت هيئة الوفاق الفلسطيني في بيانها على ما يلي:

أولاً / دعمنا الكامل لمهمة الوفود الزائرة لقطاع غزة لإنجاز المصالحة الوطنية، آملين من الله تعالى أن تكلل جهودها بالنجاح، وأن تكون تحولاً مفصلياً في مسيرة الوفاق الوطني وطي صفحة الانقسام الحالي إلى غير رجعة، ورسم بسمة أمل على مُحيَّا شعبنا المتخم خذلاناً، والتواق لإنجاز وحدته والتئام صفه الوطني والإسلامي.

ثانياً / ندعو الإخوة في حركتي فتح وحماس وباقي الفصائل الفلسطينية للتحلي بالمسؤولية الوطنية، والإصغاء لنبض الجماهير، والشروع الفوري بوضع آليات تنفيذ ما تمَّ الاتفاق عليه، لاسيما اتفاقيتي القاهرة والدوحة، واعتماد خارطة طريق مستقبل فلسطينية، وبمرحلة انتقالية محددة زمنياً، تتضمن ترتيب البيت الفلسطيني برمته .

ثالثا / ندعو الجميع إلى استعادة وحدة النظام السياسي الفلسطيني، وتجديد الشرعيات الرئاسية والتشريعية والمحلية، وبناء نظام سياسي جديد قائم على الديمقراطية والشراكة السياسية والتنوع في إطار التكامل وعدم الاقصاء وإطلاق الحريات العامة، تمشياً مع منطق العصر وروحه، كل ذلك من أجل حشد كل الطاقات والامكانيات لمواجهة الاحتلال، الذي ينهب الأرض، ويعتدي يومياً على الأرواح والمقدسات الإسلامية والمسيحية على حدٍّ سواء.

رابعا / أهمية تصويب الخلل والتعدد في التمثيل السياسي الفلسطيني، وتعدد المرجعيات الوطنية، من خلال استراتيجية وطنية تقوم على إعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية على أسس ديمقراطية وشفافة، بحيث تعكس حقيقة الواقع السياسي الفلسطيني بجميع فئاته ومكوناته في الداخل والخارج، وفق مرجعية دستورية جديدة جامعة تكون بمثابة عقد سياسي بين الكل الفلسطيني.

خامساً / ندعو إلى التوافق على مرجعية قضائية وطنية ودستورية للبت في أية خلافات حالية ومستقبلية أثناء تطبيق آليات اتفاقيات وتفاهمات المصالحة، أسوة بما عليه الحال في الأنظمة السياسية المختلفة، كأسلوب حضاري لحل خلافاتنا الوطنية على أساس سيادة القانون ومرجعية القضاء المستقل والوفاق الوطني.

سادسا / ندعو الشعب الفلسطيني بكل فئاته للقيام بالفعاليات المختلفة في قطاع غزة والضفة الغربية والشتات لدعم إنجاز المصالحة الوطنية والضغط على الأطراف المختلفة للنزول عند إرادة جماهير شعبنا التواقة للوحدة و الوفاق الوطني.

لا شك أن هذه فرصة تاريخية يتوجب علينا كفلسطينيين عدم إضاعتها، والكل الوطني والإسلامي لديه الجاهزية لتقديم ما يلزم للخروج من نفق الأزمة والقطيعة والغياب، الذي وضعنا فيه أنفسنا وقضيتنا، وأصبحنا في حالة بئيسة من الذيلية والتهميش والضيم، لا يرضى على القبول بها والإقامة عليها إلا "عير الحي والوتد".

وكما قلنا في أكثر من مناسبة، بأن الظروف الضاغطة تطارد الجميع، فلا أحد في حالة أفضل من الآخر، حيث إن حصوننا - جميعاً - مهددة من الداخل، بسبب الحصار الظالم وقسوة إهانات الاحتلال وعجرفته، وتكشف أوراق مكره ومكائده لتأبيد وضعية الانقسام، والتي عبر عنها رئيس حكومة الاحتلال نتنياهو – مؤخراً - بتهديده للرئيس (أبو مازن) من خلال تخييره بين"حل السُلطة أو الوحدة مع حماس".!!

ومع كل المؤشرات الإيجابية التي تحملها الأخبار عن أجواء ومداولات الحوار ليلة أمس إلا أن استطلاعات الرأي ما تزال تشير لغياب التفاؤل داخل الشارع الفلسطيني.

أبعاد الدور المصري من ملف المصالحة:

من أكثر الأسئلة التي تم طرحها في كل المقابلات التي أجريتها مع معظم وسائل الإعلام، هو: ما هي حقيقة الدور المصري، وأين تقف القاهرة مما يجري في غزة من حوارات لتحقيق المصالحة الوطنية.؟

لا شك أن الأجواء المشحونة والمتوترة مع حركة حماس، والتي وصلت إلى حد القطيعة عندما أقدمت أحد المحاكم في مصر بوضع الحركة على قائمة الإرهاب.!! واتهام وسائل الإعلام المصرية – غير الرسمية - بشكل سافر ومستفز لها بالقيام بأعمال تهدد أمن مصر واستقرارها، وهو الأمر الذي نفته الحركة جملة وتفصيلاً، بل وطالبت بلجنة تقصي حقائق منبثقة من الجامعة العربية لإجراء تحقيقات محايدة حول تلك الإدعاءات، والتي تسيء إلى العلاقات التاريخية وأواصر الصداقة والترابط التي تجمع بين الشعبيين..في الواقع، ألقت تلك الحملات الإعلامية بظلالها السلبية على كل المناخات الطيبة في علاقة حركة حماس وحكومتها بمصر، والتي سادت مرحلة ما قبل الثلاثين من يونيه 2013م، حيث كان التنسيق في أفضل حالاته مع الجهات التي تشرف على ملف العلاقة مع حركة حماس؛ وهي جهاز المخابرات العامة المصرية ومع اللواء نادر الأعصر، الذي كان يتولى متابعة ملف تلك العلاقة وما تتطلبه من تنسيق على كافة المستويات الأمنية والسياسية.

إن السؤال الذي وجهته وسائل الإعلام حول هذه المسألة كان مشروعاً، والرد عليه من طرفي كان واضحاً: إن السماح للدكتور موسى أبو مرزوق بالسفر إلى غزة، وتجديد إقامة أهله بالقاهرة وتمديد حالة الترحيب بوجوده في مصر، كلها لها دلالات تبعث على الاطمئنان، وتعطي مؤشرات إيجابية أن مصر هي مصر العظيمة، التي عرفناها عبر التاريخ؛ فهي قد تغضب أحياناً لكنها سرعان ما تعود إلى طيبتها المعهودة.. إن قدوم د. موسى لغزة للمشاركة في جولة المصالحة الحالية هي تعبير أن القاهرة ما تزال حاضرة في المشهد الفلسطيني، وهي ممسكة به ومتابعة له، باعتباره ملفاً أمنياً وقومياً وقضية مركزية في اهتمامات الأمتين العربية والإسلامية.

لقد سبق وأن عبَّر الجميع في فتح وحماس بأن ملف المصالحة الفلسطينية هو مصري بإمتياز، وأن دخول أية أطراف أخرى هو دور تكميلي ليس إلا.

ماذا يحمل الغد في تجلياته.؟

من خلال التصريحات التي أدلى بها د. أبو مرزوق بعد أول لقاء تم بالأمس تشي بأن الأمور تسير على ما يرام،بعيداً عن تعقيدات "الرزمة الواحدة"، وهذا يعطي دافعية وأمل بأن الأسابيع القادمة هي لفرض حقائق تنفيذية على الأرض، واتخاذ إجراءات لتفكيك ملفات مرحلة الانقسام، والدخول في الكثير من التفاصيل الخاصة بالتسهيلات على معبر رفح، وعودة آلاف المستنكفين والمبعدين إلى وظائفهم، ولكن ليس بماراثونية تديرها حركتي فتح وحماس وحدهما، بل إن هناك في مضمار السباق أطرافاً أخرى من منظمة التحرير، سوف تتابع وتعمل على تطويع وتذليل كل ما يستجد من مشاكل وعقبات.

وحول الانتخابات القادمة، فإن الرئيس محمود عباس قدأبلغ وفد حركة حماس في رام الله قبل شهرين - تقريباً - بأنه ليس لديه أي مشكلة أن تدخل فتح وحماس على قائمة انتخابية واحدة،إذا كانت هناك لدى البعض تخوفات من أن الحركة قد تتعرض لمؤامرة تهميش أو محاولة لإقصائها.

لا شك أن العلاقة بين فتح وحماس ستكون على قاعدة الشراكة السياسية والتوافق الوطني، وليس هناك إمكانية لأي طرفأن ينجح في تهميش وإقصاء أي طرف سياسي آخر عن ساحة الفعل السياسي، وخاصة في ظل ما هو قائم من واقع احتلالي، وغياب لحالة الدولة الفلسطينية الحرة والمستقلة.

اليوم المطلوب من الجميع هوتضافر كل الجهود، من أجل إنجاح تشكيل الحكومة الانتقالية، والاستعداد للانتخابات القادمة.

تفاءلوا بالخير تجدوه..

معذورة جماهير شعبنا في مخاوفها وتوجساتها، وعدم اطمئنانها - حتي اللحظة - لكل ما يجري في الغرف المغلقة، وخلف تلك الابتسامات العريضة، لأننا شاهدنا مثلها كثيراً، وصارت أشبه بما يسميه القرويون عند سماع صياح الديكة قبل منتصف الليل بـ"الفجر الكاذب".

لذلك، يطيب لنا أن نُذكِّر من بيدهم ناصية الأمور، وممن أصبحت أقدارنا بأيديهم؛ أي الأخوين الكريمين الرئيس محمود عباس والسيد خالد مشعل، أن التاريخ لن يرحم كل من أسهم في تكريس حالة الانقسام، وأعطى الذرائع لدولة الاحتلال للاستمرار في سياسة مصادرة الأراضي والتوسع الاستيطاني وتهويد المقدسات.

إن القيادة الحكيمة معقود في نواصيها الخير، وإننا نرى أن بأيديكما مفتاح الخلاص للخروج من نفق الأزمة التي حاصرتنا جميعاً.. لذا، فإننا نناشدكم سرعة العمل على تحقيق المصالحة وإنهاء الانقسام، وذلك لقطع الطريق أمام المحتل الغاصب الذي يعمل بمكر ودهاء لشطب الفلسطينيين – كشعب له حق سليب – من الوجود.

إن الوطن ليس غنيمة أو كعكة يعتقد البعض أن بالإمكان تقاسمها، بل هو ساحة للتنافس على حمل الأمانة وأداء الواجب، وعلى الجميع - حركات وجماعات وأحزاب - الحفاظ على وحدته، والعمل على جمع صف قواه الوطنية والإسلامية، أما أجواء العداء والكراهية التي يحاول البعض تعميقها، وتكريس واقع الانقسام بين أبناء الوطن الواحد فهي فعل من أفعال الخيانة، وإن كان وراءها من صلى وصام وحج البيت الحرام.

آمل أن يدرك طرفا القيادة في فتح وحماس ووفد منظمة التحرير الفلسطينية أن كل دقيقة تمضي – والوطن على ما هو عليه من انقسام - فإن الأرض تُنتقص من أطرافها، كما أن النفوس تتباعد وتتنافر، والقلوب تزداد جفوة وغلظة، وعلى فلسطين وأهلها أن نقرأ السلام.

وللملأ وبطانات السوء المتحلقين حول قياداتنا السياسية؛ الوطنية والإسلامية نقول: "لا تراهنوا على صمت الشارع وما زرعتموه من خوفٍ فيه، فشواهد التاريخ علمتنا أن الثورة تسبقها – دائماً - لحظاتٌ احتجاجية مطالبة بالتغيير والإصلاح والتجديد، ثم يكون الانفجار - في توقيته - مفاجئاً للجميع، وفي مشهد درامي لا تنفع معه حالة البكاء، وعضِّ أصابع الندم صبح مساء.

دعاؤنا - اليوم - للجميع بالتوفيق، سائلين الله أن يسدد خطاكم، وأن يجري الخير على أيديكم، لنعيش معاً تلك اللحظة التاريخية التي انتظرناها طويلاً لتحقيق المصالحة وإنهاء الانقسام.

آمل أن نكون في هذه اللحظات التاريخية بانتظار تباشير الصباح، وهذا يشدني إلى دعاء جدتي،والذي اعتدت على سماعه - وأنا طفل صغير – وهي تردد مع آذان الفجر، وبكل خشوع: "سبحان من أصبح الصباح، سبحان الملك الفتّاح، سبحان من أذهب الليل، وآتانا بالصباح".

آمل أن نشهد غداً فجر يوم جديد.. آمين