تفاقمت أزمة حركة "الإخوان المسلمين" التي بدأت بعد سقوط نظام الرئيس محمد مرسي في مصر، بعد أن أعلنت عنها السعودية حركة إرهابية وضمت اسمها إلى قائمة المنظمات الإرهابية المحظورة في بيان صدر عن الداخلية السعودية في 7 آذار الماضي، وهذه كانت ضربة كبيرة وقاسية للحركة وانعكست سلباً على شرعية وجود الحركة في دول الخليج العربي نظراً لأهمية دور السعودية المحوري والمؤثر فيها. مع العلم أن علاقة "الإخوان" بالسعودية بدأت في عهد الرئيس جمال عبد الناصر وقد استخدمتهم السعودية في نزاعها معه.
ثم لعبت السعودية دوراً بعد ذلك في المصالحة بين الرئيس أنور السادات والجماعة. ويبدو أن القرار السعودي جاء في ظرف حساس للغاية بالنسبة للمملكة وخاصة بعد فشل الجماعات الإسلامية التي تدعمها في سورية وخسارتها معارك في مدن وبلدات سورية مهمة، وبعد توتر العلاقة مع قطر التي تشكل الداعم الأكبر لحركة " الإخوان "، والإعلان عن حظر الحركة في قسم منه موجه لقطر كذلك. وهناك من يعتقدون أيضاً أنه بسبب خشية المملكة من انتقال عدوى الربيع العربي إليها بعد عودة الشباب السعوديين من سورية بعد مشاركتهم في القتال وتحولهم إلى إسلاميين متشددين يشكلون خطراً على استقرار المملكة كما حدث في الكثير من البلدان العربية. ولهذا كان الحظر يشمل تنظيمات أخرى ويمنع المواطنين السعوديين من المشاركة في القتال خارج بلدهم.
ويمكن اعتبار الموقف السعودي الأقوى بعد موقف السلطات المصرية التي تعاملت بحزم مع "الإخوان" وجعلت منهم جماعة إرهابية محظورة واعتقلت قياداتهم بعد الإطاحة بحكمهم، إذ إن السعودية بالإضافة إلى كل من الإمارات والكويت قد سحبت سفراءها من قطر في سابقة لم تشهدها العلاقات في دول مجلس التعاون الخليجي من قبل، وهددت قطر بحصار خانق إذا استمرت في تدخلها في الشؤون الداخلية للدول الأخرى. وكان واضحاً أن السعوديين والإماراتيين متضايقون جداً من تدخل قطر في شؤون مصر كذلك ومن دعمها لحركة "الإخوان" وتحويلها قناة الجزيرة إلى منبر لهم لمهاجمة مصر والتحريض على سلطاتها الحاكمة وعلى المشير السابق عبد الفتاح السياسي المدعوم من هاتين الدولتين.
وإصرار السعودية على موقفها من قطر و"الإخوان" و دعم الإمارات والكويت وإلى حد ما البحرين لها، فرض على القطريين الانصياع للرأي الغالب في مجلس التعاون والقبول بشروط السعودية وحليفاتها والتوقيع على ما سمي "اتفاق الرياض" الذي توج اجتماعاً لوزراء خارجية دول مجلس التعاون في يوم الخميس الماضي (17/4/2014)، والذي تضمن حسب صحيفة "رأي اليوم" اللندنية موافقة قطر على وقف إجراءات تجنيس القيادات الإسلامية الخليجية الهاربة والملاحقة بأحكام قضائية، ووقف دعم قطر لحركة "الإخوان المسلمين" سواء بالمال أو الإعلام أو توفير المأوى لقياداتهم، ووقف دعم المؤسسات الحقوقية والإعلامية وما تفرع عنها من صحف ومجلات ومحطات تلفزة والتي تعمل لصالح الإخوان وضد مصر، وهذا يشمل قنوات "الجزيرة" وإغلاق المراكز البحثية التي تستضيف الدوحة فروعاً لها والمتهمة بالتجسس والتحريض على أنظمة الحكم في الخليج.
تطبيق هذه البنود من شأنه أن يقلم أظافر حركة "الإخوان" ويحد كثيراً من قوتها ونفوذها ويضعفها بصورة كبيرة، وبعد إغلاق السلطات المصرية الأبواب في وجه المقر ومنبع الحركة الرئيس في القاهرة. وهذا بالإضافة إلى إغلاق بوابة غزة على حركة "حماس" المتهمة بمساعدة "الإخوان" في ارتكاب أعمال العنف في مصر بما في ذلك تدريبهم ومدهم بالسلاح والرجال، وذلك حسب ما تقول السلطات المصرية أنه أدلة دامغة ووثائق موجودة لديها بناء على اعتراف معتقلين، سيؤثر سلباً على "حماس " أيضاً وسيضعف موقفها ويضاعف أزمتها المالية والسياسية.
هذا الوضع الجديد سيفرض على حركة "الإخوان المسلمين " مراجعة مواقفها خصوصاً في مصر، وعلى الأغلب سيحدث هذا بعد الانتخابات الرئاسية في مصر ونجاح السلطات في تطبيق "خارطة الطريق".
ولكن وضع "حماس" مختلف لأن مسؤوليتها كبيرة فهي تحكم قطاع غزة ولديها عدد كبير من الموظفين المدنيين والأمنيين الذين يحتاجون إلى رواتب بالإضافة إلى مصاريف أخرى تتطلبها سلطتها، التي باتت تعاني أزمة بسبب اغلاق الأنفاق التي كانت تشكل مورداً مهماً للمال للحركة. وهي قد لا تستطيع أن تتحمل الوضع القائم المرشح لأن يكون أكثر صعوبة مع استمرار الوقت. ولهذا لابد أن تقوم "حماس" هي الأخرى بالبحث عن وسائل لإنقاذ نفسها من مأزق متفاقم، وخشبة الإنقاذ المثلى هي الوحدة الوطنية التي تشكل ملاذاً يحميها من أزمات أشد قادمة لا محالة إذا بقيت الأمور على ما هي عليه أو أصبحت أسوأ.
وإذا صحت الأنباء عن تعديل "حماس" لموقفها من المصالحة أي تخليها عن تطبيق بنود اتفاق القاهرة دفعة واحدة وليس بالتسلسل - كما ينص على ذلك الاتفاق – فهذا سيكون تطوراً على درجة كبيرة من الأهمية ليس فقط لـ"حماس " التي تكون قد سعت لإنقاذ نفسها من ورطة لا أحد يعلم إلى أين تقودها، بل كذلك للشعب الفلسطيني وقضيته الوطنية التي هي بأمس الحاجة لهذه الوحدة التي تعزز موقفنا ضد الاحتلال وسياساته المعادية لحقوق شعبنا. وفي الواقع التفاصيل المتعلقة بالوحدة ليست مهمة بقدر توفر النوايا والإرادة الجادة والواعية لهذا المطلب الشعبي والوطني الملح، فهل تكون هذه المرة مختلفة ويكبر ويرتقي الجميع إلى مستوى الواجب الذي تتطلبه المرحلة؟!


