تحاول الحركة الصهيونية، تحويل الأزمة في أوكرانيا، وكأنها "مسألة يهودية" لجهة إثارة المخاوف من أن يهود أوكرانيا البالغ عددهم حوالي مئتي ألف، يواجهون أخطاراً جسيمة على حياتهم وأملاكهم، وأن الحل الوحيد يكمن في هجرة هؤلاء إلى دولة اللبن والعسل وأرض الميعاد "إسرائيل"، وقد استغلت الدولة العبرية بعض الأحداث الهامشية، وما تم توزيعه أحياناً من منشورات أو كتابات على الجدران، لتأكيد هذا الوهم، لدفع يهود أوكرانيا إما إلى الهجرة إلى إسرائيل، أو الحصول على ضمانات دولية مؤكدة بعدم تعرضهم ومصالحهم للأخطار، يهود أوكرانيا، وهم في الأصل وبطبيعة المواطنة، من المفترض أنهم أوكرانيون، إلاّ أن سلوكياتهم الاقتصادية والمالية والاجتماعية، تجعلهم حتى لو أرادوا ـ خارج القدرة على أن يكونوا مواطنين عاديين ولاؤهم للوطن الذي يفترض أنه وطنهم، يرغب اليهود أينما حلّوا وسكنوا في أوطانهم أو في خارجها تمييز أنفسهم، كما أن المجتمعات بدورها تميزهم، كونهم لا يرغبون ـ اليهود ـ في التعايش الطبيعي كمواطنين، لذلك، وعندما رفع المواطنون الأوكرانيون المحتشدون في ميدان الاستقلال بالعاصمة كييف، لافتات كتب عليها "أوكرانيا للأوكرانيين" شعر يهود أوكرانيا أنهم المقصودون بهذه الشعارات، ما يشير إلى عقدة "الغيتو" لدى يهود اوكرانيا، كما هو الحال في معظم البلدان والدول، مع أنهم من الناحية النظرية ومبدأ المواطنة، من المفترض أنهم أوكرانيون وليسوا غير ذلك، مع أن ديانتهم تختلف مع الديانات المحيطة.
معظم يهود اوكرانيا يتخوفون من الآتي ومستقبل اوكرانيا، ولكن ليس خشية من الأخطار التي قد تحدق بهم باعتبارهم يهوداً، ولكن لأن أوكرانيا ستواجه أوضاعاً اقتصادية ومالية بالغة الصعوبة، الأمر الذي سيؤثر مباشرة على أوضاع هؤلاء المالية، باعتبار أن يهود أوكرانيا، هم في الغالب من المستثمرين الكبار في الميدان التجاري والاقتصادي، وإذا ما ألمّت بالبلاد ضائقة اقتصادية فإن هذه الاستثمارات المالية، ستتأثّر بالضرورة سلباً على مصالحهم، خاصة وأن هناك تحليلات اقتصادية تشير إلى أن الدعم المالي الذي ربما تقدم عليه الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي لأوكرانيا، سيذهب في نهاية الأمر إلى "الاتحاد الروسي" سواءً لسداد القروض المتراكمة أو لاستمرار إمداد البلاد بالغاز والمحروقات من روسيا، وهناك فترة سنوات غير قليلة حتى تستعيد أوكرانيا وضعها الاقتصادي الطبيعي، هذا في حال التوصل إلى توافقات دولية وإقليمية من شأنها أن تستنهض الاقتصاد الأوكراني.
إلاّ أن وضع يهود أوكرانيا يختلف نسبياً في مناطق شرق وجنوب البلاد، حيث الأغلبية من أصل روسي، ذلك أن بعض الرأسماليين اليهود ممن عاشوا في كنف الاتحاد الروسي، قد هربوا مع أموالهم إلى تلك المناطق وهم مطاردون من قبل الاتحاد الروسي باعتبارهم يشكلون "مافيا" وباعتبارهم مطلوبين للعدالة الروسية باعتبارهم مجرمين، هؤلاء يخشون على حياتهم، ليس باعتبارهم يهوداً بل كونهم مطلوبين للعدالة الروسية، إلاّ أنهم يستغلون موجة الأزمات في تلك المناطق، للإشارة إلى أن هناك مطاردة متعمدة لهم بوصفهم يهوداً، وأن الشعارات التي ترفع في تلك المناطق تلاحقهم لهذا الاعتبار، في حين أن الأمر يرتبط باعتبارهم مطلوبين للعدالة كونهم من المافيا الروسية سابقاً، والمافيا الأوكرانية حالياً.
لكن من الصحيح، أيضاً، أن قيادات يهودية ونشطاء يهود، كان لهم دور مؤثر، في التظاهرات في ميدان الاستقلال بالعاصمة ضد روسيا، بل يُقال إن الرأسماليين اليهود هم الذين موّلوا هذه التظاهرات، وهذا يتنافى مع فهم اليهود لعبارة "اوكرانيا للاوكرانيين" باعتبارهم المقصودين بهذه العبارة.
حاخامات اليهود في أوكرانيا وإسرائيل، وكذلك قادة المهاجرين اليهود الذين هاجروا من أوكرانيا إلى إسرائيل في السنوات الماضية، كل هؤلاء وبدعم من حكومة نتنياهو، يحاولون إضفاء "المسألة اليهودية" باعتبارها إحدى عناصر الأزمة الأوكرانية، ولدفع المزيد من يهود أوكرانيا للهجرة إلى إسرائيل رغم أنه كان بإمكانهم ذلك قبل هذه الأزمة، تضخيم "الحالة النازية" وانتشار "اللاسامية" الهدف منه قبل كل شيء دفع اليهود للهجرة إلى إسرائيل، مع أنه ووفقاً لبعض المقابلات التي أجرتها وسائل الإعلام، فإن يهود أوكرانيا حتى الآن، يفكرون بالهجرة إلى دول الاتحاد الأوروبي، خاصة ألمانيا، وعلى الأخص كبار التجار والمموّلين وأصحاب البنوك، إسرائيل تريد هؤلاء قبل الآخرين لكي يهاجروا إليها.
ومع تداعيات الأزمة في أوكرانيا، فمن الواضح مجدداً، أن إسرائيل هي المستفيدة تقريباً من كل الأزمات التي تحدث في كل مكان من العالم الوسيع، وبخبرات وتجارب الحركة الصهيونية، فإن الدولة العبرية من أكثر القوى، القادرة على استثمار الصعوبات والأزمات لصالحها، أينما كانت هذه الصعوبات والأزمات والحروب، فهي ليست دولة حرب دائمة بامتياز، لكنها الشريك الخفيّ في كل الحروب والأزمات، وما يحدث حول المسألة اليهودية في أوكرانيا، هو دليل آخر على ذلك!!
hanihabib1954@gmail.com


