في الوقت الذي كان فيه الأخ موسى أبو مرزوق، القيادي في حركة حماس يصل لقطاع غزة، عبر معبر رفح الحدودي، كانت الطائرات الإسرائيلية تشن سلسلة غارات على القطاع، بما لا يدع مجالا للشك، بعدم تسليم الجانب الإسرائيلي لما يلاحظه من تقدم فلسطيني فيما يخص ملف المصالحة الداخلية، ومحاولة قطع الطريق عليه، او عرقلته أو حتى إعاقته، كذلك تشير الإجراءات الإسرائيلية المتلازمة، إن كان فيما يخص التصعيد ضد قطاع غزة، او تصعيد الحملة على المسجد الأقصى، بأن إسرائيل تحاول بكل ما أوتيت من قوة أن تحقق انفجاراً ما هنا أو هناك على الجانب الفلسطيني، يجعل من الاستحقاق المتعلق بالمفاوضات، والذي وصل محطته الأخيرة، حيث ينتظره أسبوع حاسم، في الدرجة الثانية من الاهتمام، او على أقل تقدير يعفي الجانبين من ضرورة البت فيه حتى يوم التاسع والعشرين من الجاري.
وكما أشرنا في مقال سابق، فلأن هناك علاقة وثيقة بين ملفي التفاوض والمصالحة، فما ان يتراجع الاهتمام بأحدهما حتى يتقدم الاهتمام بالآخر، وهكذا، وحيث ان القيادة الفلسطينية، بل وربما كل القوى والفصائل، باتت مقتنعة تماما، بما لا يدع مجالا للشك او التردد، بأن صفحة التفاوض في طريقها للطي، وأن صفحة جديدة من المواجهة متعددة الأشكال والوجوه بين الفلسطينيين والإسرائيليين تلوح في الأفق القريب، ولأسباب أُخرى أيضا، بات الجميع يستشعر ضرورة رص الصفوف ومواجهة الفصل القادم من المواجهة مع إسرائيل بشكل موحد.
خلال الأيام القليلة القادمة سيتضح كل شيء، أولاً سنعرف إن كان الوفد الرئاسي سيصل غزة لملاقاة الأخوين إسماعيل هنية وموسى أبو مرزوق لإعلان موعد الانتخابات وتشكيل حكومة التوافق الوطني، أم لا، كذلك سيتضح من قرارات المجلس المركزي، الذي سينعقد يومي السبت والأحد القادمين، ما إذا كانت القيادة الفلسطينية ستتخذ واحداً من أهم القرارات التي اتخذتها خلال العشرين سنة الأخيرة، ونقصد بذلك قرار "حل السلطة" والذي سبق واعتبره كثير من المراقبين والمتابعين والمحللين "حلاً" لعبثية المفاوضات، واداة لمواجهة التعنت الإسرائيلي، والآن تتحدث به قيادة السلطة وتضعه كأحد الخيارات لمواجهة المرحلة القادمة.
في هذه المناسبة لا بد من القول، إن توقيع اتفاقات أوسلو قبل اكثر من عشرين سنة، ترافق مع إعلان تلك الاتفاقيات كاتفاق مرحلي، نص على إطلاق مفاوضات حول الحل النهائي مع تشكل سلطة الحكم الذاتي المؤقت، سقفها الأعلى خمس سنوات، تنتهي في أيار 1999، والجميع يتذكر أن عدم التوصل لذلك الحل النهائي قبل ذلك الوقت، ترافق أولا مع اقتراحات عديدة، منها إعلان بسط السيادة الفلسطينية على الأرض المحتلة، ومنها حل سلطة الحكم الذاتي.
كذلك لا بد من التذكير بأن توقيع الاتفاقيات في ذلك الوقت لم يكن يعني أن الصراع انتهى أو انه تم وضع حد للمواجهة بين الجانبين، بل ان المواجهة انتقلت من الميدان الى طاولات التفاوض، وان المفاوضات إنما هي معركة بحد ذاتها، وحيث إن عشرين سنة من التفاوض، تحولت الى غاية بحد ذاتها، فإنه لا بد من وضع حد لها الآن.
ربما كان الخطأ أصلا قد تمثل في أمرين : الأول، هو التقدير الخاطئ بأن الجانب الإسرائيلي يحترم كما هي عادة الدولة الاتفاقيات التي يوقع عليها، والثاني هو عدم إرفاق التفاوض بالضغط الميداني، فالجانب الفلسطيني لم ير في حقيقة الأمر، أن متابعة المفاوضات فترات إضافية، أمرا كارثيا شرط ان يتوقف الاستيطان، الذي يعتبر من الزاوية الفلسطينية أسوأ فعل احتلالي على الإطلاق.
وحيث ان الجانب الفلسطيني رأى في المؤقت مشروعاً أو مقدمة للدائم، أي نظر للسلطة باعتبارها مشروعا للدولة، لذا فقد هيأ نفسه لاحتمال خمس سنوات احتلالية إضافية، دون سيادة كاملة، لكن الإسرائيليين من جانبهم خاضوا المعركة من اجل تحويل المؤقت الى دائم، حتى يحين الوقت لاستحالة تحقيق الحلم والهدف الفلسطيني المتمثل بإقامة الدولة المستقلة على حدود 67.
خلال عشرين سنة يمكن القول، بأن إسرائيل حققت الفوز بالنقاط، حيث أضافت لعمر الاحتلال عشرين سنة، ووفرت ظروفا أفضل لمواصلة الجهد الاستيطاني، كما أن الفلسطينيين حققوا مكاسب ما، منها إخراج قطاع غزة من دائرة الاحتلال الكامل، وكذلك وضع فكرة الدولة الفلسطينية المستقلة على طاولة التداول السياسي وفي الثقافة الدولية، من خلال السفارات ومنظمات الأمم المتحدة، ومن خلال القرار باعتبار دولة فلسطين عضوا مراقبا في المنظمة الدولية، لكن كان يمكن لو ان التفاوض ترافق مع ضغط شعبي ميداني، كما تفعل إسرائيل بإرفاق التفاوض مع الإجراءات الاستيطانية، وخلال عشرين سنة، اختفت خلالها الحرب الباردة ان يتحول الانحياز الأميركي لإسرائيل لأمر مستحيل، لو أن الفلسطينيين ساروا على طريق شعب جنوب إفريقيا في مقارعة آخر احتلال على وجه الأرض.
ولأن آخر العلاج الكي، فإن آخر علاج للدائرة التفاوضية المغلقة هي إعلان حل السلطة، وهناك ما هو أفضل من تسليم المفاتيح لإسرائيل، هناك الأمم المتحدة، وهناك الجامعة العربية، وهناك الشعب الفلسطيني، حيث يمكن أن يعلن إدارة أموره بنفسه دون تنسيق امني ودون اتفاقيات مع إسرائيل، أي إعلان دولة فلسطين على حدود 67، والدخول في حرب تحرير تلك الدولة مع الاحتلال.
Rajab22@hotmail.com


