لا أبالغ إن حسمت بأن كل بيت فلسطيني قد ذاق مرارة السجن، وبأن زنود المرأة الفلسطينية لم تكن بمعزل عن القيود، ليس باعتبارها زوجةَ أو أمَّ وأختَ المناضل، بل كانت المستهدفة من قبل الاحتلال لدورها النضالي، مساوية للرجل وإن لم توازيه عدداً، وذلك لعدم تساويهما في الوقوف على نقطة البداية في مستواها الاجتماعي، بسبب الثقافة المبنية على خرافة الأدوار التاريخية والفسيولوجية.
ولكنني أيضا، لا أغيّب الاحتياجات الخاصة للمرأة، حيث تكون تجربة اعتقال المرأة أشد مرارةً ومعاناة، بسبب خصوصية اعتقالها واستغلال الاحتلال لتلك الخصوصية لتمعن في إلحاق صنوف العذاب بضحاياه، وترتكب بحقها ألوان الاضطهاد النفسي، تتجسد بالتهديد بالاغتصاب أو الجمع بينهن وبين المومسات الإسرائيليات والمعتقلات لأسباب جنائية، بهدف الحطّ من كرامة الأسيرات وإذلالهن، وإضعاف تماسكهن لانتزاع اعترافاتهن.
لكل أسيرة قصة وحكاية، تمثل عنواناً من عناوين الكرامة، وهي قصص ليست تجريدية أو عابرة، بل تشكل مدرسة ينهل من كتبها وذكرياتها الإلهام، لاحتوائها على صنوف من الهمّة والإرادة والتحدي والعطاء والإباء. دروس لا يمكن تمريرها والتجاوز عليها، أو طيِّها في وقت يكثر فيها طي الحقب التاريخية، بل لا بد من توثيقها وتلميعها قبل ان يلحقها ما لحق بغيرها.. كما أنها ليست تجارب عابرة أو مغامرة مرحلية لصلتها بعمر التمرد، بل بسبب قناعات ومواقف وإرادة صلبة تقف خلفها، بدليل أن المعتقلات ينتمين لعوالم مختلفة لا تعرف العمر او المستوى التعليمي او حتى ارتباطا بالعلاقة مع الأحزاب السياسية، ما يؤكد أنه لا بد من تكريس تجربة الأسر في ثقافتنا بشكل منهجي، وتخصيص لها الركن الأنيق الذي تستحقه في مناهجنا الدراسية، كجزء من خصوصياتنا الثقافية وتكويننا الشخصي، ومعلم من معالم هويتنا المميزة كفلسطينيين تحت الاحتلال.
حراك الأسيرات منذ الاحتلال حركة نشطة، إلى داخل السجن وخارجه، كمعزوفة مستمر توليفها بحثاً عن "نوتة" خارجة عن الاعتياد والنمط، بل "نوتة" تجد آليات نضالية متنوعة، تخرج بنتائج مختلفة كبداياتها المختلفة. البعض منا لا يتابع حركة الأسيرات كما كان يفعل سابقاً، إما بسبب الغرق في نمط المهام، أو بسبب التكيُّف مع واقع الاحتلال، من هنا تأتي أهمية الدخول الدائم في تفاصيلهن، ومعرفة من هن أسيرات الحرية.
مَن هنّ أسيراتنا الآن، إنهن تسع عشرة أسيرةً، ستٌ من محافظة نابلس المتفوقة دائماً بالتضحيات، وثلاث من محافظة جنين وأسيرتان من القدس، وأسيرتان من محافظة طولكرم، وأسيرة من فلسطين المحتلة عام 1948، وأسيرة واحدة لكل من رام الله وقلقيلية. تسع أسيرات متزوجات، ثلاث منهن أُمهات لأربعة عشر ابنا وابنة.
مَن هن أسيراتُنا خلف القضبان حالياً، إنهن تسع عشرة أسيرة تتقدمهن عميدة الأسيرات "لينا جلبوني"، ابنة "عرابة البطوف" داخل الخط الأخضر، مؤكدة باعتقالها وحدة الشعب ونضاله، "لينا" التي قضت من حكمها البالغ سبعة عشر عاماً حوالي اثني عشر عاماً، يرفض الاحتلال شمولها في صفقات تبادل الأسرى لعدم اعترافه بانتماء "لينا" لفلسطينيتها.
سبعٌ من الأسيرات صدرت بحقهن أحكامٌ تتراوح ما بين سبعة عشر عاماً وثمانية أشهر، بينما البقية البالغ عددهن اثنتي عشرة أسيرة موقوفات دون أحكام، وسلطات السجون تمدد مدد اعتقالهن الإداري وفق هوى الاحتلال ومزاجه وساديته، بينما الأسيرة "شيرين العيساوي" المعروفة بالاعتقال المتكرر، ترزح في "المسكوبية" دون أن توجَّه لها أي تهمة. كما تعاني ثماني أسيرات من أمراض شتّى بعضها بسبب الإهمال بات مزمناً، وعلى وجه الخصوص عميدة الأسيرات التي خضعت مؤخراً لعملية جراحية دون مخدر، إضافة إلى منعها من المبيت في المستشفى.
لكل هؤلاء، لينا جلبوني ومنى قعدان ونوال السعدي وإنعام حسنات وآيات محفوظ ونهيل أبو عيشة ورنا أبو كويك ودينا واقد وفلسطين نجم وتحرير الفني ووئام عصيدة ومرام حسونة وزينب أبو مصطفى وريم حمارشة وأحلام عيسى وانتصار الصياد ورسمية بلاونة وشيرين عيساوي، ومن سبقتنهن في رحلة العبور نحو الحياة الحرة، إنهن من اخترن حمل سارية العلم والسباحة عكس التيار، وهن من اخترن العيش نصف حياة والنوم بنصف إغفاءة، وهن اللواتي لم يقبلن بأنصاف الحلول.. إنهن من يُغفين في قلق، ويستيقظن على قلق.. فكل تفصيل في السجن مصدرٌ للاضطراب والأرق.. اضطرابُ حاملٍ ستلد طفلها بقيود غليظة أنستها ألم المخاض، وموجوعةٍ تناضل للحصول على حبة تسكِّن وجعاً مزمناً، وشابةٍِ تنتظر حكماً للحصول على كتبها المدرسية..وأُمٍ ترنو إلى لحظة الحرية، إنهن أسيرات الحرية من أجل الحرية.


