خبر : "شيفرة" أميركية لحل الأحجية التفاوضية؟! ....بقلم: هاني حبيب

الأحد 20 أبريل 2014 10:24 ص / بتوقيت القدس +2GMT
"شيفرة" أميركية لحل الأحجية التفاوضية؟! ....بقلم: هاني حبيب



لم يعد الأمر يتعلق بضرورة أن تفي حكومة نتنياهو بتعهداتها بإطلاق سراح أسرى الدفعة الرابعة، لكي يتم التمديد للعملية التفاوضية ضمن أسس جديدة طرحتها القيادة الفلسطينية، ذلك أن تطورات الوضع الحالي قد تجاوزت هذه المسألة عندما أشارت بضعة تصريحات إلى مدى الإحباط الذي ساد أطراف هذه العملية، في الجانب الفلسطيني، وقبيل اجتماعات المجلس المركزي بعد أيام، هناك تصريحات قيادية بأن أمر استمرار السلطة بات على المحك، أبو مازن، أمام عدد من الساسة الإسرائيليين يقول، إنه بات على استعداد لتسليم مفاتيحها لأصغر ضابط إسرائيلي، بينما هناك إشارات على أن السلطة قد تلجأ إلى تسليم هذه المفاتيح "لصاحب الفندق" أي الأمم المتحدة، هذه التصريحات ليست جديدة، لكنها الآن تكتسب جدية على ضوء مستوى الإحباط الهائل الذي رافق العملية التفاوضية وما انتهت إليه من فشل.
الجانب الإسرائيلي أقل إحباطاً، كونه لم يكن يمتلك إرادة وصول هذه العملية إلى نهاياتها المرجوة، وكونه نجح في ابتزاز الطرفين الفلسطيني والأميركي، لكنه مع ذلك لم يكن يتوقع رد فعل القيادة الفلسطينية سواء لجهة التوجه إلى المنظمات الدولية، أو لجهة التهديد بتسليم مفاتيح السلطة وإغلاق الفندق، وجاءت تصريحات جون كيري التي "بلعها" فيما بعد حول مسؤولية إسرائيل عن فشل المفاوضات، لكي تربك الوضع السياسي الداخلي في إسرائيل.
الأكثر إحباطاً، هو الطرف الراعي لهذه العملية، الولايات المتحدة، التي جددت من ناحيتها ما سبق وأن هددت به أكثر من مرة، وهو أن تطرح واشنطن رؤيتها "لاتفاق المبادئ" أو على الأقل "اتفاق الإطار" رغم علمها برفض الجانبين لأسباب متباينة، لهذا الطرح، وتحاول فرضه على الطرفين حتى مع رفضهما، لتحميل مسؤولية الفشل إليهما، والتخلص من تداعيات هذا الفشل بالنسبة لها، خاصة وأن هناك بعض الآراء التي تتداولها أوساط سياسية أميركية، تشير بوضوح إلى أن إلقاء اللوم على الجانبين، أو جانب واحد منهما، على هذا الفشل غير موضوعي، ويحمّلون مسؤولية هذا الفشل بالدرجة الأولى إلى فشل السياسة الأميركية وعجزها عن التعاطي مع هذه العملية الحساسة بمسؤولية الراعي الأكبر، وأشير بهذا الصدد إلى مقال نشرته صحيفة "بوليتيكو مغازين" بتوقيع عدد من كبار الساسة في أميركا، تحت عنوان: "جون كيري.. قف بحزم" أما من وقع على هذا المقال فهم: زبيغنيو بريجنسكي، مستشار سابق للأمن القومي، فرانك كارلوشي وزير الدفاع السابق، لي هاملتون رئيس سابق للشؤون السياسية، كارلا هيلز ممثلة تجارية سابقة، توماس بيكرنغ، مساعد وزير الخارجية السابق، وهنري سيغمان رئيس مشروع أميركا للشرق الأوسط.
ورغم أن المقال قد أشاد بجهود إدارة أوباما وجون كيري، إلاّ أن مضمونه يشكل انتقاداً حاداً لهذه الجهود، يقول المقال، إن واشنطن ضد الاستيطان لفظياً، لكنها تغاضت عنه عملياً، وشجعت بطريقة أو بأخرى عدم التزام إسرائيل والانصياع إلى القرارات الدولية بهذا الشأن. كما أن ما تدعيه إسرائيل عن تحريض فلسطيني، فهو أقل بكثير عما تفعله إسرائيل التي تعتبر الضفة الغربية منطقة "متنازعا عليها"، وليست مناطق محتلة، ناهيك عن التحريض الإسرائيلي اليومي المعلن ضد الفلسطينيين، وأما شرط إسرائيل بضرورة اعتراف الفلسطينيين بيهوديتها، فهو لا ضرورة له، ذلك أن الفلسطينيين اعترفوا بإسرائيل كدولة، كما أن مثل هذا الاعتراف بيهودية الدولة يتنافى مع الرواية التاريخية للشعب الفلسطيني، كما أنه يهدد مستقبل الفلسطينيين الذين ما زالوا يعيشون في إسرائيل.
إسرائيل تدعي بأن استمرار الاحتلال هو شرط لتوفير الأمن لها، إن الاستسلام لهذه الرؤية من قبل الولايات المتحدة يعد خرقاً للقانون الدولي بشكل صريح، الرئيس السابق للموساد صرح بهذا الشأن قائلاً، إن إسرائيل بهذه الرؤية إنما تتلاعب بمصير المفاوضات كما أنها تستغل ضعف الجانب الفلسطيني.
ويستمر انتقاد هؤلاء الساسة للمواقف الإسرائيلية والدعم الأميركي لها، فتقول المقالة، إن الفلسطينيين سبق أن تخلوا عن نصف الأراضي وفقاً لقرار التقسيم العام 1947، ومطالبة إسرائيل بمزيد من تخلي الفلسطينيين عن حدود 1967، يعتبر تجاوزاً إضافياً لقرارات المنظمة الدولية، وإذا كان نتنياهو قد ادعى في خطابه أمام جلسة مشتركة للكونغرس في أيار 2011، أن إسرائيل مستعدة لتنازلات لإنجاح المفاوضات، فإن ما يمكن مشاهدته أن هذه التنازلات المزعومة هي تنازلات من الجانب الفلسطيني.
هذه المقالة التي ترجمتها صحيفة "الغد" الأردنية، تعكس في التفاصيل التي أوردتها إحباط الساسة الأميركيين من سياسة بلادهم إزاء العملية التفاوضية على الملف الفلسطيني ـ الإسرائيلي وتلقي باللائمة على السياسة الأميركية وعجز الراعي الأميركي عن أن يقوم بدوره المطلوب إزاء ملفات هذه العملية وإحجامه عن التصميم على أن يضغط على إسرائيل بما يكفي كي تنصاع لمتطلبات أي عملية تفاوضية ناجحة!.
إن ما تقوله هذه المقالة كثير، فعلى الولايات المتحدة إذا كانت جادة في جهودها أن تغير من سياساتها ورؤيتها لطبيعة الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي، لكن ولعلّ أهم ما تشي به هذه المقالة أن الساسة الأميركيين، لا يدركون حقائق هذا الصراع إلاّ بعد أن يتركوا مناصبهم المؤثرة، ولو تمكنوا من التعرف على هذه الحقائق وامتلاك الإرادة في وقت كانوا فيه مشاركين في صناعة القرار، لكان الأمر غير ما هو عليه، مع ذلك، فإن هؤلاء الساسة، وحتى بعد أن تركوا مناصبهم، يستطيعون العمل بمبدأ "أقلّ الإيمان" وها هم قد فعلوا!!
hanihabib1954@gmail.com