يدور في الأوساط الفلسطينية منذ بعض الوقت حديثٌ حول عقد دورة للمجلس المركزي، فهل سيتم ذلك فعلاً وهل هناك ضرورة لانعقادها؟
ولا شك أن هذه الدورة ستتأثر بشكل جدي بالزيارة المتفق عليها للوفد الذي شكلته القيادة السياسية لزيارة غزة والحوار مع حركة حماس حول تطبيق اتفاقيتي القاهرة والدوحة وما يمكن ان يخرج عن الحوار من نتائج.
أما لجهة الضرورة، فإن هناك ضرورةً ملحة لعقد هذه الدورة، بل يمكن القول إنها تأتي متأخرة بدون أسباب مبررة كافية. فهناك أُمور وقضايا ومواقف وسياسات لم يعد هناك بد من بلورتها وإقرارها حتى لا تبقى ساحة النضال الوطني تعوم بجدل لا يقوم على الوضوح والتحديد وهو أمر صحي ومرغوب، وإنما يقوم على التسريبات والتكهنات، خصوصاً وان المجلس المركزي هو المؤسسة الوحيدة الباقية التي لا تزال تحتفظ بدرجة مقبولة من الشرعية.
ويا حبذا لو نتج عن زيارة وفد القيادة إلى غزة وحواره مع "حماس" مشاركة ممثلين رسميين عنها وعن حركة الجهاد الإسلامي في أعمال هذه الدورة.
ان دورة المجلس المركزي إذا ما قدّر لها الانعقاد يجب ان تكون دورة نوعية ومتميزة وبعيدة عن الشكل التقليدي، وان يتحمل المجلس فيها مسؤوليته بإقرار مواقف وبلورة سياسات ورسم آليات، وقد يكون من المفيد تشكيل لجنة أو لجان اختصاص لتحضير أوراق عمل ومقترحات.
هناك قضايا عدة مطلوب من المجلس المركزي معالجتها تندرج تحت اكثر من عنوان، في مقدمتها عنوانان:
العنوان الأول، هو ما يتعلق بالأوضاع الداخلية لمؤسسات السلطة الوطنية ومنظمة التحرير. فلم يعد ممكنا ان نواجه المرحلة النضالية القادمة والتي يجمع الكل على أهميتها من جهة وعلى صعوبتها وقسوتها من جهة أُخرى بمؤسسات إما أنها فقدت شرعيتها تماماً وتوقفت عن القيام بدورها المهم وأهمها المجلس التشريعي والمجلس الوطني، وإما أن شكوكاً قوية تحوم حول تآكل شرعيتها، وأولها اللجنة التنفيذية.
ان هذا الواقع لمؤسسات السلطة والمنظمة هو ما يغذي الحديث حول الفردية والتفرد بغض النظر عن دوافعه ودقته ومصداقيته.
إن ترتيب البيت الفلسطيني وإعادة الشرعية والحياة لمؤسساته يجب ان تحتل الأولوية في أعمال هذه الدورة للمجلس المركزي.
وبطبيعة الحال فان الانقسام الوطني يقف في مقدمة قضايا البيت الداخلية ومن الطبيعي أن تخضع لنقاش مسؤول، وبالذات على ضوء النتائج التي سيتوصل لها وفد القيادة للحوار مع حركة حماس.
المطلوب والضروري، بعد كل جولات الحوار وعديد الاتفاقات والوساطات، وعبر رؤية الضرر الهائل الذي يلحقه الانقسام بالقضية الوطنية، ورؤية حقائق الأمر الواقع التي يتم مراكمتها وتكريسها عبر استطالة زمن الانقسام، المطلوب، بلورة رؤية مختلفة للانقسام تتسم بالجرأة وتغادر الرؤية التقليدية التي ظلت سائدة حتى الآن، تفكك حوامل الانقسام وترى منطلقاته ودوافعه الظاهرة والمستترة، وان ينتج عن هذه الرؤية سياسات مختلفة وجديدة للتعامل مع الانقسام ومعالجته.
فلم يعد ممكناً الاستمرار بنفس طريقة المعالجة الحالية القائمة على لقاءات وحوارات مؤقته بدقة لتخدم هدفا محددا في زمن محدد يخرج عنها تصريحات او بيانات عامة بصياغات ومعانٍ حمالة أوجه دون اي التزام محدد مقترن بتفاصيله التنفيذية.
إن الذهاب إلى انتخابات عامة نزيهة وشفافة هو المفتاح التنفيذي الأول لترتيب بيتنا الوطني وإعادة الوحدة والشرعية والفاعلية لمؤسساته لتقوم بدورها الضروري والمطلوب.
والمجلس المركزي في دورته الحالية مطالب بإلحاح اتخاذ القرارات المناسبة لمعالجة هذا الأمر بشكل دقيق ومحدد وبالتواريخ.
ومطالب وفي نفس الوقت إقرار تصورات وحلول للتعامل مع ما قد يعترض الذهاب إلى الانتخابات العامة من مشاكل وعقبات ومواقف معترضة أو رافضة.
وأما العنوان الثاني، فهو ما يتعلق بما وصلت إليه المفاوضات مع دولة الاحتلال من انسداد تام في مسارها وفي أُفقها.
المجلس مطالب بالتوقف أمام هذه القضية واستخلاص الدروس الهامة العديدة التي أفرزتها بصراحة وبرؤية موضوعية لحقائق ما جرى وتقييم لأدائنا في المفاوضات، وبجرأة لا تتجاهل الموقف السليم والأداء الجيد وتقديره، ولا تجامل أو تساير في تبيان الخطأ ونقده، ولا تتهرب من المسؤولية لأي سبب.
لتصل بكل ذلك الى موقف شديد التحديد وشديد الوضوح، مع تمسكه بثوابتنا الوطنية ودفعه باتجاه تطوير نضالاتنا الوطنية في كل مجال وعلى كل مستوى.
والمجلس مطالب، على ضوء تلك الوقفة، بلورة سياسة متكاملة للخط النضالي الذي سنعتمده على المستوى الدولي بديلاً ونقيضاً لخط المفاوضات.
ان هذه السياسة يجب ان تقوم على أساس الانعتاق من إسار الاحتكار الأميركي والانطلاق إلى رحاب المجتمع الدولي وهيئاته ومؤسساته الرسمية والشعبية.
ان التوقيع على طلبات الانضمام إلى 14 من بين الاتفاقيات والعهود والمنظمات الدولية هي خطوة إيجابية، إذا ما تم اعتبارها خطوة اولى وتمهيدية للانضمام إليها كلها، بالذات تلك الأكثر أهمية منها مثل محكمة لاهاي ومحكمة الجنايات الدوليتين.
وتبقى الخطوة إيجابية على الرغم من رائحة الموقف التكتيكي التي تفوح منها، وعلى الرغم من تركها الباب موارباً أمام محاولات تمديد المفاوضات إذا لبت تلك المحاولات شروطنا.
فلتكن هذه الدورة للمجلس المركزي نوعية فعلا وعلى قدر المسؤولية المطلوبة.


