في شهادة أمام الكونغرس، يقول وزير الخارجية الأميركي بحسرة، إن الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي لم يتمكنا من الاتفاق على القضايا الإجرائية وليس على قضايا الوضع النهائي لأنها أصلاً لم تكن محور المفاوضات. كيري كان يقصد قضيتي الاستيطان والأسرى الفلسطينيين وربما إطار المفاوضات أيضاً!
بعد أكثر من عشرين عاما على اتفاق أوسلو لا تزال المفاوضات في مرحلة المفاوضات على المبادئ التي ستقوم عليها المفاوضات!
للتذكير، إسحاق شامير، رئيس وزراء إسرائيل عندما انطلق مؤتمر مدريد للسلام قال، إنه ينوي أن يجعل المفاوضات مع الفلسطينيين تستمر لمدة عشرين عاماً. الرجل لم يكذب.. المفاوضات ستحتفل السنة القادمة بيوبيلها الفضي.
إذا احتاج الفلسطينيون ربع قرن للتفاوض على القضايا الإجرائية من نوع وقف الاستيطان والإفراج عن الأسرى، ولم يصلوا بعد لاتفاق بشأنهما فهل يمكنهم الوصول لاتفاق مع إسرائيل على قضايا الوضع النهائي؟
إذا احتاجت "المفاوضات" الإجرائية ربع قرن.. هل يكفي "النهائية" مائة عام؟
لو كانت إسرائيل معنية بالسلام مع الفلسطينيين لأمكنها الاتفاق معهم على إطار التسوية خلال السنوات الأولى من عمر أوسلو لكن إسرائيل أدركت منذ توقيع اتفاق كامب ديفيد مع مصر العام 1978 أن لا حاجة للسلام مع الفلسطينيين.. الضفة والقدس هي الربح الصافي بعد إخراج مصر من معادلة الصراع. لذلك جرى توسيع الاستيطان بهدف خلق أمر واقع لا يمكن تغيره بدون حرب تهزم فيها إسرائيل.. ولأن الفلسطينيين لا قدرة لهم على هزيمة الدولة النووية، فإن الأمر الواقع هو واقع على الفلسطينيين التكيف والحياة معه.
المفاوضات مع إسرائيل منذ مؤتمر مدريد للسلام هو تكيف مع هذا الواقع. لهذا تدور المفاوضات في دائرة مغلقة لأن الهدف منها ليس الوصول إلى سلام مع الفلسطينيين ولكن كسب وقت أطول لفرض وقائع جديدة على الأرض.
عرفات حاول كسر الدائرة المغلقة بعد أن أدرك أهداف إسرائيل الفعلية من التفاوض.. لكنه خاض حرباً بسيف ذي حدين.. أحدهما أنهك إسرائيل والآخر أنقذها. عرفات هدم "معبد" المفاوضات، وأطلق العنان للمقاومة، لكن الجزء الخاص بالعمليات الانتحارية التي رافقت الانتفاضة الثانية جعلت المستوطنات اكثر أمناً من تل أبيب.. لذلك لم تشكل الانتفاضة الثانية رافعة للشعب الفلسطيني تقربه من أهدافه كما فعلت الانتفاضة الأولى، ولكنها جعلته عرضة لضغوط دولية هائلة.. وبدلاً من أن تخلق انقساما في إسرائيل بين القوى الراغبة في الانسحاب من الضفة والقوى التي تريد الاحتفاظ بها، الانتفاضة الثانية وحدت المجتمع الإسرائيلي ضد الشعب الفلسطيني الذي انقسم بدوره بسبب تلك العمليات بين مؤيد ومعارض لها.
النتيجة كانت إعادة الشعب الفلسطيني إلى حظيرة المفاوضات.. إلى دائرة التكيف مع سياسات إسرائيل التي حاول عرفات الخروج منها وإنقاذ شعبه من وهمها.
المسألة التي يقف الفلسطينيون عندها كثيراً هي إن كان بإمكانهم الخروج من دائرة المفاوضات بدون خسائر كبيرة لا قدرة لهم على احتمالها. هم مقتنعون بأن المفاوضات لا تفيدهم.. بأنها تخدم إسرائيل.. بأنها مجرد غطاء للتوسع الاستيطاني وفرض وقائع على الأرض يستحيل تغييرها، لكنهم ليسوا على استعداد لدفع تكلفة الخروج منها.
ما هي التكلفة؟ هنالك تكلفة محتملة وأخرى غير محتملة.
في الدائرة التي يمكن احتمالها ستكون هنالك ضغوط مالية، اقتصادية، قيود على الحركة.. لكنها جميعاً تقع في خانة ما يمكن للفلسطينيين احتماله، ويمكن أيضاً الرد عليها بتجميد التنسيق الأمني مع إسرائيل. التكلفة غير المحتملة هي العودة لانتفاضة ثانية، لمواجهة عسكرية في ظل غياب القدرة على الردع.
الخروج من دائرة التفاوض لا يكفي وحده للضغط على إسرائيل.. المطلوب رفع كلفة ثمن الاحتلال اقتصاديا وسياسيا وأخلاقياً.. نقل الأزمة لإسرائيل بدلاً من إبقائها في الدائرة الفلسطينية. هذا يتطلب العودة للشعب الفلسطيني لتفعيل المقاومة الشعبية.. الدفاع عن الأراضي المهددة بالاستيطان.. تسيير مسيرات على الحواجز التي تحرم الفلسطينيين من قدسهم.. مقاطعة البضائع الإسرائيلية.. اللجوء للمنظمات الدولية وقوى المجتمع المدني الغربية للضغط على حكوماتهم لمقاطعة إسرائيل.. باختصار العودة للأسس التي قامت عليها الانتفاضة الفلسطينية الأولى والتي أجهضتها مفاوضات أوسلو.
لا يوجد في التاريخ شعب تحرر من الاحتلال بدون خسائر.. والشعب الفلسطيني كغيره من الشعوب التي عانت من الاحتلال قدم تضحيات جساماً منذ الاستيلاء على أرضه بالاستيطان والحروب.. لكن هذه التضحيات لم يجر مراكمتها باتجاه جعل تكلفة الاحتلال مرتفعة.. والأسوأ كان التورط في نفق مفاوضات مظلم خلق مؤسسات لسلطة لا تملك سيطرة على أرض أو اقتصاد ومع ذلك أصبح الشعب الفلسطيني أسيراً لها لأنها قبلت بأن تكون وكالة غوث موازية لتلك التي أنشأتها الأمم المتحدة خصيصاً من أجل اللاجئين الفلسطينيين باختلاف بسيط متعلق بالاسم وبالرموز المصاحبة له. سلطة بدلاً من وكالة.. وعلم فلسطيني بدلاً من علم المنظمة الدولية. وحرس شرف وطوابع بريد ورموز عديدة أنعم بها "شمعون بيرس" على الفلسطينيين تحت شعار "أعطوهم ما شاؤوا من الرموز" بعد مفاوضات أوسلو لعل ذلك يخفي الطابع الإغاثي للسلطة.
اليوم لم تعد هنالك مساحة للمناورة.. إما الاستمرار في التكيف مع سياسات الاحتلال وإما العمل على نقل الأزمة لإسرائيل.. لكن من يجرؤ على القيام بذلك؟


