خبر : عن مصر وموضوع الاتهامات لـ "حماس" و"حزب الله" ..بقلم: حسين حجازي

السبت 01 فبراير 2014 04:01 م / بتوقيت القدس +2GMT
عن مصر وموضوع الاتهامات لـ "حماس" و"حزب الله" ..بقلم: حسين حجازي



كان العنوان الأصلي لهذه المقالة والخط الرئيسي في معالجة القصة المطروحة، مستلهماً بإيحاء ذي دلالة في إسقاطه على الأزمة المصرية اليوم من عنوان كتاب أصدره الأستاذ محمد حسنين هيكل، بعيد وفاة الرئيس جمال عبد الناصر " لمصر لا لعبد الناصر". وكان موضوع الكتاب وعنوانه لافتاً في ذلك التوقيت إذ أراد الرجل الذي ارتبط سجله المهني كصحافي، كما كان يحب أن يلقب أي "بالجورنالجي" بقربه من عبد الناصر، أن يوضح موقفه بأن الولاء أولاً هو لمصر وليس للأشخاص الذين يمكن ان يحكموا " المحروسة " مهما كان قدرهم، أي عدم إصباغ الشخصنة على مواقف الكاتب. وكان هذا التوضيح من الصحافي الكبير مترافقا واصطفافه لاحقاً الى جانب خليفة عبد الناصر، الذي قاد انقلابا صامتا العام 1971 ضد المجموعة الناصرية الراديكالية في جهاز الدولة، او ما اسماهم السادات في ذلك الوقت بمراكز القوى والذين كان يتزعمهم علي صبري. حيث سيلعب هيكل دورا في دعم انقلاب السادات قبل ان يطيح به السادات فيما بعد ويعتقله، بعد حملات تحريض ضد هيكل الذي سيكتب بعد اغتيال السادات كتابه الشهير "خريف الغضب " يصفي فيه الحساب مع السادات وفترة حكمه التي كانت وبالا على مصر.
اليوم يقف الصحافي الكبير التسعيني في العمر امد الله في عمره، مع مصر ضد حكم الإخوان المسلمين الذي أطاح بهم الجنرال عبد الفتاح السيسي، كما وقف مع البكباشي جمال عبد الناصر في انقلابه العام 1952 ضد حكم الملك فاروق، وحيث ترسم صورة للجنرال السيسي الى جانب صورة البكباشي القديم، الذي كان ملهما ومعبودا ساحرا للجماهير.
والحق ان هيكل انتقد مواقف عديدة اتخذها الرئيس محمد مرسي قبل الإطاحة به، ولا سيما موقفه من الأزمة السورية وإيران الذي رأى فيها إخلالا خطيرا بنظرية الأمن القومي المصرية، حيث سورية هي بوابة مصر على آسيا. لكنه في الحساب الأخير وأيا تكن أخطاء مرسي والإخوان المسلمين في مصر، فإن ما حدث كان انقلابا ليس على أول تجربة ديمقراطية في حكم مصر، وإنما على أول ثورة شعبية حقيقية منذ العام 1919 في تاريخ مصر، ومع كل الاحترام الواجب تقديمه أمام الخيارات والاجتهاد الشخصي للمواطنين العاديين كما للكتاب، إلا أن القصة التي نحاول التطرق إليها هنا لا تتعلق بهذه المسألة تحديداً، فالشأن المصري الداخلي يظل شأناً داخلياً ومصرياً يخص المصريين وحدهم، وليس لنا التعرض له أو إبداء الحكم عليه الا من جهة واحدة، وهي تتعلق حصراً فيما اذا كانت هذه المسائل الداخلية تحمل ارتدادات ذات طابع خطير لا يمكن السكوت عليها تجاه أطراف خارجية، كما هو الحال اليوم في ارتدادات هذه الأزمة المصرية الداخلية علينا هنا في غزة ومجمل القضية الفلسطينية، بحيث يبدو الصمت على ذلك موقفاً خاطئاً.
ليكن توصيف الأمر ما يكون ليس هذا ما يعنينا، ان كان يشبه مشية البطة وصوتها او لا يشبهها. انقلاب او ثورة شعبية تكمل ثورة يناير. عبد الناصر آخر ام عودة نظام مبارك، هذا متروك حكمه للأيام والتاريخ، وهو لا يشغل بالنا او اهتمامنا رغم انه مهم، ولكن الذي يقض مضاجعنا وترتعد له فرائصنا، هو تحول هذه الحملات الإعلامية ثم فيما بعد الاتهامات ضد حركة "حماس"، والتي يشوبها الكثير من النيات والأهداف المقصودة، والقليل من الأدلة والبراهين القاطعة، الى تحول هذه الحملة الصاخبة وغير المسؤولة من فقدان الاتزان، الى نوع من الصدام لا قدر الله الذي يعني تحطيم نظرية الأمن القومي العربي، كما المصري والفلسطيني وقبل ذلك تحطيم العقل العربي.
هذه هي اللحظة التاريخية يا أستاذ هيكل وشيخنا الكبير في المهنة، وكل العقلاء والمثقفين المحترمين في مصر، لأن يرفعوا سلاح الموقف في مصر ضد هذا الحمق والجنون، الذي تغذيه طموحات قاتلة في صراع دام على السلطة. ويخشى منه ان يتحول هنا على الحدود بين غزة ومصر الى نسخة أُخرى من الاحتراب الداخلي السوري، بحيث يحتشد، الفقراء ضد الفقراء، العرب ضد العرب، يقتل بعضهم البعض الآخر بدل أن يجتمع شملهم، قوتهم ضد عدوهم، يا للهزيمة ويا للعار، ولكي يمكن بعد ذلك إخراج الخطط الشيطانية من الإدراج في لعبة امم جديدة، تعيد رسم الخريطة إذا كانت الأحداث سوف توفر الذريعة لتنفيذ مشروع إسرائيل القديم، بتوطين الفلسطينيين الغزيين في شبه جزيرة سيناء، وتقديم الضفة الغربية كجزر وكانتونات معزولة على أنها الدولة الفلسطينية العتيدة، فيما تسمى إسرائيل نفسها بالدولة اليهودية، ويكون بعد ذلك أي بعد خراب البصرة وسورية ولبنان على البيعة، على العرب والفلسطينيين والمصريين السلام.
ثمة هنا أناس يلعبون بالنار ولا يجب السماح لهم بالمضي بهذه اللعبة التي تحرق الأخضر واليابس كما يقال. وإذا كان ما يقوله الادعاء المصري صحيحا في قضية تورط "حماس" وحزب الله، فلنشكل لجنة تحقيق عربية تحت مظلة جامعة الدول العربية، للتحقيق والفصل في هذه الادعاءات. ونقول ذلك لأن ثمة ما يفوق الخيال في هذه الاتهامات أصلا، ولأن المسألة في الارتدادات التي تحيط بهذه القضية تتجاوز حركة "حماس"، وتمس بالمصالح الحيوية للشعب الفلسطيني والقضية الفلسطينية، ولأن هناك ما يكفي من الإشارات والدلائل على ان القضية وإثارتها على هذا النحو، إنما هي في المقام الأول سياسية وذات أهداف سياسية.
اليوم يجب أن نخاطب مصر الكبرى، لكن للتاريخ والحقيقة كان الزعيم الخالد جمال عبد الناصر، توجس خيفة وحذر العام 1965، من ان إنشاء حركة فتح والعمليات المسلحة التي بدأتها، إنما هو في إطار مؤامرة إخوانية سعودية تهدف الى المزايدة عليه وإحراجه بل وتوريطه، في حرب غير مستعد لها مع إسرائيل بعد سنة واحدة من مبادرته إلى إنشاء "الكيان الفلسطيني"، اي منظمة التحرير الفلسطينية، واستند عبد الناصر في ذلك الوقت الى تقارير مخابراته التي أكدت له بأن المجموعة القيادية لفتح إنما تضم أعضاء أما إخوان مسلمين او تأثرا بفكر الإخوان، وان السعودية الخصم اللدود لناصر هي التي تدعم هذه الحركة، وحيث لاحظت تقارير صحافية غربية في ذلك الوقت ان الملك حسين وهو خصم آخر لعبد الناصر، كان يبدي غض الطرف عن عمليات "فتح" وكل ذلك لإرباك عبد الناصر والمزايدة عليه. لكن عبد الناصر لم يتردد بعد حرب العام 1967 ان يحتضن حركة فتح ويعتبرها انبل مقاومة وثورة، وان يصطحب سرياً ياسر عرفات الى موسكو ويقدمه الى القادة السوفيتية لأول مرة، ويفتح بعد ذلك مخازن الأسلحة المصرية ومعسكرات الجيش لتدريب الفدائيين وكوادر فتح، ويرعى بنفسه العام 1969 اتفاقية القاهرة الشهيرة بين المقاومة ولبنان، والجمع بين عرفات والملك حسين في قمة القاهرة بعد ايلول الأسود، والتي سيقال ان الزعيم الخالد اسلم الروح تأثراً بالضربة التي تعرضت لها المقاومة في الأردن، رحم الله جمال عبد الناصر.
وللحقيقة والإنصاف فان محمد حسنين هيكل لعب دورا في جميع هذه التطورات التي أدت الى التحالف بين عبد الناصر وفتح، وللتاريخ أيضا فإن عرفات في أثناء حكم السادات وبعده مبارك ظل مواظبا وحريصا في كل مرة يزور بها مصر، الالتقاء بالمرشد العام للإخوان المسلمين دون ان يثير ذلك حفيظة الرؤساء المصريين، الذين لم يكونوا على وفاق مع الإخوان، او ينظروا الى ذلك كنوع من التدخل في الشؤون المصرية الداخلية. والمطلوب اليوم وقبل فوات الأوان العودة الى هذه الحكمة الرحيمة التي طالما ميزت علاقة مصر بعالمها العربي كما بالفلسطينيين، باعتبارها الأخ الأكبر بتحييد الخلافات الداخلية المصرية عن محيطها الخارجي، باعتبار هذه الخلافات مسألة مصرية خالصة، لأن مصر ليست لبنان ولم تكن مرة في تاريخها ولن تكون سورية أخرى موضوعا للصراع عليها، لأنها اكبر من مثل هذا التوصيف الذي يقزمها، ويقلل من صورتها في ادعاء مهين يظهرها كما لو أنها ألعوبة في يد منظمات صغيرة مثل "حماس" او حزب الله. حاشا يا إخوان، هذا لا يجوز.