عندما كانت الأحداث تعصف بجنوب إفريقيا العنصرية في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي... وعندما كانت هذه الدولة تطبّق نموذجاً لا إنسانياً من الفصل العنصري قائم على لون البشرة، وتحاول تمكين المستعمرين البيض من مقومات الدولة الاقتصادية والثقافية والاجتماعية رغم أنهم أقلية... فإن السلاح الذي هزم نظام الفصل العنصري في هذا البلد العريق هو المقاطعة الدولية وعلى رأسها المقاطعة الاقتصادية ثم السياسية، ما أدى في النهاية إلى انهيار نظام الفصل العنصري وعودة البلد إلى أصحابه، وتسلم القوى الوطنية والثورية وعلى رأسها المناضل نيلسون مانديلا الحكم بعد أن أمضى زهرة شبابه في المعتقلات العنصرية.
نحن الفلسطينيين لم نتعلم أهمية المقاطعة... بل على العكس، لم نفكر في هذا السلاح الإنساني الخطير جداً، إلاّ متأخراً، رغم أن قلة - ربما بعدد أصابع اليدين - من الفلسطينيين، هي التي بدأت تركز وتدعو إلى استخدام هذا السلاح في الدول الأوروبية أولاً، وفي كل دول العالم ثانياً... فيما بدأت مجموعات أوروبية تتمترس خلف مؤسسات حقوقية وإنسانية وأكاديمية لتفعيل حقيقي لهذا السلاح في وجه الاعتداءات الإسرائيلية التي تفاقمت خلال العقدين الماضيين. سواء على مستوى ما يتعرض له الإنسان الفلسطيني من قتل وتشريد وتجويع واعتقال، أو ما تتعرض له الأرض الفلسطينية من مصادرة وإقامة مستوطنات وتلويث للبيئة.
فئات أوروبية واسعة محكومة بالمفاهيم الإنسانية والحرية وحق تقرير المصير بدأت تفهم خطورة الاحتلال الإسرائيلي، آخر احتلال في العالم... ليس فقط على الفلسطينيين أو دول الجوار، بل على العالم بأسره...
وبدأت تعي، أيضاً، خطورة تقويض الاحتلال والاستيطان الإسرائيلي للمفاهيم الإنسانية والأخلاقية، بعد تصاعد مظاهر العنصرية الإسرائيلية وبشكل أساسي بعد إقامة جدار الفصل العنصري الذي ليس له مثيل ولن يكون له مثيل في كل العالم.
آخر مظاهر المقاطعة الأوروبية لإسرائيل جاء من صندوق التقاعد النرويجي، وذلك بمقاطعة الشركات التي تعمل في المستوطنات، واستغناء منظمة أوكسفام البريطانية الإنسانية عن الممثلة سكارليت جوهانسين كسفيرة لها...
وزير المالية الإسرائيلي يائير لبيد في خطابه أمام معهد بحوث الأمن القومي الإسرائيلي، قبل يومين، قال: إذا دخلت إسرائيل في واقع المقاطعة الأوروبية، حتى وإن كانت جزئية جداً، فإن الاقتصاد الإسرائيلي لن يصمد، وسيتراجع بشكل دراماتيكي يمسّ جيب كل إسرائيلي. وأضاف: ثلت التجارة الإسرائيلية هي مع الاتحاد الأوروبي وإن لم تكن هناك تسوية سياسية، فسيتضرر التصدير بنحو ملياري شيكل (6 مليارات دولار)، وستتم إقالة 5,800 عامل بشكل فوري، وهذا سيؤدي إلى ارتفاع حادّ في الأسعار، وسيرتفع غلاء المعيشة بشكل دراماتيكي...
قبل ذلك نقل عن أحد أساتذة الجامعات الإسرائيلية أن المقاطعة الأكاديمية الأوروبية، إذا ما استمرت أو تعمّقت، فإن ذلك سينعكس بشكل سلبي على مستوى التعليم الإسرائيلي، وخاصة في مجال البحث العلمي...
في الوقت الذي تتصاعد فيه المخاوف الإسرائيلية من المقاطعة بشكل جدّي، وبدأت الدوائر السياسية والأكاديمية والاقتصادية تضغط في كافة الجهات، ومن خلال وسائل الإعلام المملوكة للوبي الصهيوني من أجل الحدّ من آثار هذه المقاطعة، فإن الجانب الفلسطيني لم يرتقِ - سواء النظام السياسي أو النخب أو القيادات على مختلف مستوياتها وفي كافة القطاعات - إلى الحدّ الذي يفعّل فيه هذه المقاطعة، ويزيد هذا السلاح حدّة من خلال الحملات الإعلامية، وحشد مناصري الشعب الفلسطيني وقضيته، واستغلال كل عنصر فلسطيني في الخارج من أجل تقصير عمر هذا الاحتلال.
بل على العكس لاحظنا في كثير من الأوقات أن فئات فلسطينية تسير عكس التيار، وتعمل على كسر هذه المقاطعة، وخاصة الأكاديمية منها.
وبناء على ذلك، وبعد أن أشهرت مؤسسات أوروبية كثيرة هذا السلاح، يجب علينا جميعاً، نظاماً سياسياً ونخباً وأكاديميين وقادة، أن نستثمر سلاح المقاطعة بكل ما نملك من طاقات ونكثّف هذه المقاطعة... ولنبدأ بأنفسنا وذلك أضعف الإيمان!.
abnajjarquds@gmail.com


