لا يرى الكثير أن غزة في العام 2014 تغيرت عن السنة الماضية أو السنوات الماضية، فمازلت غزة أسيرة الحصار، وترهقها الأزمات المتلاحقة، من أزمة الكهرباء، إلى المحروقات، إلى البطالة، إلى...قائمة طويلة، وتبدو صورة غزة بأنها لا تزال بعدسة كاميرا الأسود والأبيض التي مضى على خروجها من الخدمة في الحياة العامة عدة عقود من الزمن، ويبدو أن كل من يفكر في غزة على غير هذا النحو شخصا حالما لا يعيش في الواقع، ولا يبصر الوقائع، ويبدو أن حدود غزة من الشمال إلى الجنوب، ومن الشرق إلى الغرب تشكل قيدا يحد من التفكير ويحاصر الصورة فلا تبصر ما في الأفق من ألوان.
لكن السؤال الآن غزة 2014 هل هي بهذا السكون، وهذا الجمود، وتلك الرتابة. أم أن شيء ما يتحرك ويتغير ويتجدد؟!
الإجابة قد لا تكون توافقية مع الكثيرين لكنها تحمل وجهة نظر باتجاه مغاير، فغزة 2014تطل علينا على غير المعتاد، وبإضاءات مختلفة تماما عن السنوات القليلة الماضية، هذه الإطلالة ليست بالضرورة تعبر عن أمنياتنا التي نتطلع لها، ولكنها تعكس تغيرات واختلافات تحكي شيئا مختلفا عن كل السنوات السابقة.
فغزة 2014 تشرق على فصل جديد من المصالحة والتوافق الوطني ينبء بأن مناخا جديدا يتهيأ لوقف الاحتقان، وتبديد الغيوم، وشق الطريق نحو إنهاء حالة الانقسام على نحو ما، ربما ليس بالصورة التي نتمناها، لكن على نحو يسمح بعودة الدفء إلى العلاقات الفلسطينية الفلسطينية، والتحدث في الشئون الداخلية بصورة أكثر انسيابية من ذي قبل، وتبادل المشورة في متطلبات المرحلة القادمة سواء حملت نجاحا في المفاوضات أم فشلا. وبعيدا عن الخوض في الأسباب والدوافع وراء ذلك، فانه يمكننا القول بان ألوان الطيف الفلسطيني والقيادة في غزة والقيادة في رام الله قررت الاستجابة لنبض الشارع، والوقوف عند حدود مسئوليتها بمعالجة حالة الانقسام، وإعطاء بصيص أمل للمواطن الفلسطيني بعودة الروح الوطنية والتوافق الوطني إلى واجهة المشهد السياسي الفلسطيني في هذه المرحلة الحرجة. وهنا تجدر الإشارة إلى تصريحات رئيس الوزراء إسماعيل هنية، وتصريحات الرئيس محمود عباس، بشأن مستجدات المصالحة والتي تؤكد بأن خطوات جديدة على الطريق بهذا الخصوص ستخفف من برودة الشتاء، وحارة الصيف القادم، لتطل على غزة أجواء ربيعية رغم أن الكثير ما زال يعتقد بان الأجواء لم تتهيأ على النحو المطلوب بعد، وأن المبادرات والتحركات الأخيرة ما هي إلى خطوات تكتيكية من الطرفين تحسبا للمستجدات السياسية المحتملة سواء على صعيد المفاوضات أو إستراتيجية الحصار على غزة.في غزة لأول مرة يكشف عن خطة تنموية لثلاث سنوات قادمة من قبل الحكومة رغم العجز الكبير الذي تعاني منه الحكومة في تمويل ميزانيتها السنوية، واشتداد الحصار عليها. وبعيدا عن كل ما يمكن أن يقال بخصوص هذه الخطة وآليات وضعها، وفرص تنفيذها وتمويلها إلا أن ذلك يعطي انطباعا بأن تغيرات مهمة بدأت تدخل في طريقة عمل الحكومة وتفكيرها. وهنا قد يسجل البعض تحفظات على مجرد طرح خطة للتنمية في ظل ظروف واعتبارات شبيه بما تمر به غزة، إلا أن ذلك لا يلغي بأن غزة بدأت في التفكير من الخروج من سجن الحصار والأزمات إلى الانفتاح على العالم، والتفكير في الاستجابة لاحتياجاتها ومتطلباتها للسنوات القادمة، وتعزيز قدراتها على الصمود، وتلبية تطلعات واحتياجات شعبها، بعيد عن استمرار أزمة الانقسام والحصار.غزة 2014تواجه غول البطالة، فمع اشتداد الحصار وتوقف أو جمود المشاريع، ومنع دخول مواد البناء، والحملات المتلاحقة لتدمير الأنفاق ووقفها عن العمل، إلى جانب انضمام آلاف الخريجين الجدد من الجامعات والمعاهد والكليات الفلسطينية إلى سوق العمل وغيرها من المشكلات دفع بعشرات الآلاف من العاملين إلى البطالة من جديد، وهو ما يهدد الاستقرار والأمن الاجتماعي لغزة، وينذر بمخاطر كبيرة من المشكلات والأزمات الاجتماعية والاقتصادية والمعيشية التي من شانها أن تفاقم من تداعيات الحصار على غزة، وترهق الحكومة، وتربك الحياة العامة للمواطنين. لذا فإن تحدي البطالة من أكثر المخاطر التي تواجهه غزة في العام 2014 خصوصا وأن برنامج التشغيل المؤقت للخريجين لا يشكل حلا لهذه المشكلة وإنما محاولة لتجميلها، لأن هذا البرنامج لا يلبي أدنى متطلبات الحياة اليومية للمستفيدين منه كما أنه لا يستوعب كافة أعداد الخريجين والعاطلين عن العمل.غزة 2014 عام الإرباك في أداء قطاعات الخدمات خصوصا الخدمات البلدية بشتى أنواعها سواء كان ذلك بسبب المصاعب المالية، أو الخلل في توفر الكهرباء والمحروقات، أو محدودية الدعم للمشاريع الجديدة المتعلقة بالبنية التحتية والصرف الصحي وغيرها، لذا فإن قطاع البلديات الذي يعتبر قطاعا حيويا، ومؤشرا على مستوى الحياة الكريمة التي يعيشها المواطن يشكل تحدي كبير أمام غزة خصوصا في ظل المتاعب التي يعاني منها برغم المبادرات والجهود التي تحاول أن تبذلها إدارة البلديات لتوفير الخدمات إلا أنها تظل دون مستوى الاحتياجات والمطلوب.غزة 2014تنتظر من يمد يده إلى إخراجها من المشكلات الاجتماعية والاقتصادية، فمؤشر الجريمة، ومؤشر أقسام الطوارئ في المستشفيات، ومؤشر القضايا والمشكلات لدى الشرطة والنيابة، ومؤشر المشكلات في المدارس، وغيرها الكثير ينبء بأن غزة تطاردها المشكلات الاجتماعية والاقتصادية الناجمة بدرجة كبيرة عن الحصار من جهة، وسوء توزيع الموارد وإدارتها من جهة أخرى، وعدم وضع سلم للأولويات يعزز من قدراتنا على مواجهة تداعيات الحصار على مجتمعنا وحياتنا اليومية.
للتواصل مع الكاتب omar_60_66@yahoo.com


