خبر : الأنا الشرقية عقدتنا المرضية..حازم البنا

الثلاثاء 28 يناير 2014 10:33 ص / بتوقيت القدس +2GMT
الأنا الشرقية عقدتنا المرضية..حازم البنا



هكذا تكشفت عورتنا في زمن العولمة وعصر الاتصال فحين صار بإمكاننا أن نرى العالم في شاشة محوسبة أدركنا أن ثمة آخر في هذا العالم أخطئنا بحقه كثيرا إلى حد القذف والتجريح والتخوين والتكفير والشيطنة ، ولم تعد تنطلي على أبنائنا تلك الحيل النفسية التي ورثناها عن أجدادنا وآبائنا حين عاشوا مراحل ضعف وصراع وتراجع حضاري وثقافي وعلاقة قهرية بين الغرب الغالب والشرق المغلوب ،، فأفهمونا على غير وجه حق بأن ذلك الآخر المغاير لنا في الدين أو الثقافة أو الحضارة لا يصلح معه التعايش والمشاركة بدعوى انتماءه إلى مجتمعات مفككة ومنحلة القيم والأخلاق .

يجب علينا أن نعترف اليوم أن عقدة التسامي على الآخر التي تلقيناها عبر تربية معلبة بمسلماتها ومحرماتها الكثيرة ليست سوى تنشئة مرضية أنانية بالغت في تعصبها " للأنا" الشخصية والعائلية والدينية والقومية والحزبية حتى تورمت بفيروس سرطاني خلق منا أفراد منغلقين ومعزولين ومشوهين ومنفصمين يعتقدون أنهم أول الكون وآخره ولا يعترفون بوجود ذلك " الآخر " في حضارات وبلاد وثقافات واديان ومجتمعات أخرى!    

يبدو أن علينا قراءة التاريخ مجدداً وتوسيع آفاق الإدراك والفهم التي شاخت بفعل تربيتنا المتوجسة بين التحريم والتحليل والخطأ والصواب المطلق والتي تجرأنا بها على تحقير ذالك الآخر والتقليل من احترامه وتقديره رغم أننا كعرب ومسلمين نقلنا عنه في بلاد اليونان والهند وفارس علوم الفلك والفيزياء والطب والهندسة وغيرها من العلوم التي أحدثت انقلاب خطير في نهضة المدنية والحضارة .

لا ينبغي علينا أمام حقائق التاريخ وتجارب الشعوب ورسائل الأديان وأخلاق الأنبياء وعصر الحداثة والانفتاح أن تبقى عقولنا محكمة الإغلاق كما شبهها الكاتب الأمريكي " أوليفر هولمز " بعقل المتعصب الذي يشبه بؤبؤ العين كلما زاد الضوء المسلط عليه زاد انكماشه ، هذا الانكماش الفكري الذي أورثنا عقد الانفصام والنقص وعدم الثقة بالنفس وغياب القدرة على استيعاب أبعاد نص حديث " الحكمة ضالة المؤمن " ،، هو ما أوصلنا لما يسمى بحالة " فويبا الآخر " التي دمغنا بها أعراق وديانات وحضارات ومجاميع بشريه بالعداوة وانهيار المبادئ والقيم وحياكة المؤامرات .

اليوم سقطت إدعاءات الطهرانية عن الجميع في عصر تحكمه المصالح والمادية ولا أحد يستطع أن ينصب من نفسه ملاكاً ويتهم غيره بالشيطنة ،، هناك أيادي كثيرة ملطخة بالدماء ومتهمة بالسرقة والرشوة وألسنه تمرست على الكذب والوشاية وقلوب لا يملئها سوى الكره والخيانة  ، وكما قدر البشرية أن تخطئ وتصيب كذلك حال المجتمعات ليست كل من فيها صالح نقي العرق أو فاسد منحل بالمطلق  .

فالمعيار القيمي والأخلاقي لا يمكن إسقاطه بشكل جماعي على الأمم لأن الاختلاف من طبائع الفطرة البشرية التي قد تتفاوت من شخص لأخر داخل الأسرة الواحدة .

لعل من أكبر الخطايا التي اقترفتها التربية الدينية في المشرق العربي هي تلك الأحكام المطلقة التي قسمت العالم والمجتمعات والأشخاص إلى فئات مؤمنة وصالحة ومضمونة الذهاب إلى الجنّة وأخرى ساقطة ومنحلّة ،، وهذه الحقيقة لا يجب أن تقاس كنوع من التجريح والجلد المفرط للذات بقدر ما يجب أن تدفعنا لمراجعة حقيقية في مفاهيم التربية والمشاركة واحترام حرية وثقافة وديانة الآخر .

وحتى لا ننجب مزيداً من الأجيال الأمية والمعزولة يجب أن نعلم أولادنا اليوم بأن ثمة آخر في هذا العالم وإن اختلف معنا في الثقافة والدين والحضارة فذالك من سنن الكون الثابتة التي خلق الله فيها الناس شعوبا وقبائل ليتعارفوا ومكن لهم من أسباب التفاهم والانسجام بما يحقق لهم الانخراط في شراكة إنسانية ومعرفية تسعى لإصلاح العالم وتجميله والنهوض به .

لقد بات من السذاجة اليوم أن نقول أو نقتنع بغير ذلك أمام عالم انفتحت حدوده أمامنا ووعي جديد لجيلٍ يتشكل في عصر التواصل والاتصال ، اليوم تغيرت موازين الحكم في العلاقات الإنسانية فلم يعد كل الغرب كافراً ولم يعد الأجانب في نظرنا مجرد سلالة تنحدر من مجتمعات فاسدة بلا قيم وأخلاق ومبادئ .

 

 

 

 

الحقيقة أن في الغرب مجتمع متماسك ومتجانس ومثقف تحكمه روابط أسرية واجتماعية وقوانين ناظمة لحقوق المواطنة والعدالة الإجتماعية ، هناك فنون وثقافات وحضارات ومحلات صغيرة وأحياء شعبية ، هناك ريف وفلاحون ،، وهناك أباء يعملون ليعيلوا أبنائهم ويعلمونهم ،، وهناك أمهات تعشق أطفالها وتحنو عليهم وتحكي لهم قصص ما قبل النوم ،، وهناك فتيات لا يعملون في نوادي ليلية ولا يرغبن بالخوض في علاقة متهورة ،، وهناك كهل مريض لا ينقطع أبناءه وأقربائه عن زيارته ،، وأن خاتم من فضة قد يسعد زوجة بسيطة ،، وأن تلك العجوز الستينية السائحة في شوارع بلادنا والتي نحملق فيها النظر بفضول وغباء أحمق هي أم وجده لها بيت وعائلة وألبوم صور وزوج تتشاجر معه وتطبخ له الفاصوليا كأمهاتنا ..

ليس ثمة  "آخر" في هذا العالم  يصلح لأن يكون جبهة للصراع والعداء والاستعمار إلى بمنطق السياسية التي فرضتها القوى الامبريالية من قبل لكن ذلك الآخر حين صار مطمعاً لمصالح الدكتاتوريات العربية أنجبت لنا أنظمة سياسية وأحزاب وطوائف تقتات وتنهب من كدح وعرق الشعوب وتبطش بها ليلا ونهار، وهكذا صار في داخل كل عربي منا " فيتو " أقوى بكثير من فيتو الخمسة الكبار  ،، فيتو لا يعرف إلا كلمة واحدة " لا أوافق " ولا يصلح إلا للتداول العربي فيما بيننا .

 ما تمر به اليوم الساحة العربية على وجه العموم والساحة الفلسطينية على وجه الخصوص من تعميق لعوامل الفرقة والانشقاق والانقسام والتحزب والاصطفاف والتفكك المجتمعي يجب أن تدفعنا لنتصالح مع ذواتنا ومع الآخر على اختلاف التوجهات والأيدلوجيات والتحرر من السجالات والمقارنات العقيمة وإعادة الروح للحريات السياسية والفكرية والتعبيرية والإبداعية لتلتقي مع الآخر وتقطع الطريق على محاولات البعض للحيلولة دون استنهاض حقيقي يعزز من عوامل التسامح والتثاقف والتمازج على المستوى الحضاري والمعرفي .

وهذا ما دفع مفكرنا الفلسطيني العلامة والكتاب السياسي الأديب قدري طوقان الذي نهل من المعارف والعلوم والأدب للاقتناع بأن العالم على الرغم مما هو فيه من التخبط سيتجه نحو الروحيات والاحتفاظ بمقام الأخلاق والروح فوق مقام المادة .

لأن ذالك إن لم يُفعل وسُمح للمادة أن تسيطر غير آبهٍ لمعاني الخير فلن تقوم للحضارة قائمة وسيبقى السلم مهدداً والمثل العليا في خطر والناس في قلق والأفكار في اضطراب والأعصاب في توتر ،، ومشاكل الإنسان في تزايد وتعقد فلا يكاد يخرج من فوضى حتى يجابه فوضى أشد وأنكى ،، فلا آمان ولا اطمئنان ولا راحة ولا سلام .

وهذا أيضا ما يخشاه كبار الفلاسفة والحكماء أن تفلس الحكمة البشرية بعبئ إدماج العلم وقواه العظيمة في أغراض تنقية الروح والخلق ،، فتتجه هذه القوى إلى التدمير والتخريب والتقتيل بدلاً من الاتجاه إلى البناء والإنتاج والإثمار والخير والجمال .

لا ريب أن العالم اليوم أصبح قرية صغيرة لا ينقصها شيء سوى أخلاق القرية التي تشكل لبنة أساسية لبناء وطن سليم ومتماسك يرتكز في نهضته وحريته على التسامح والمشاركة مع الآخر لا إقصائه وترهيبه واستعدائه .