لم يدر بخلد احد ان يجتاح ذلك الطوفان البشري الملاييني شوارع وساحات القاهرة والمدن والمحافظات المصرية وان يتمكن الشعب المصري في 30/يوينو 2013 من اجتراح ما يشبه المعجزة، باشعال ثورة مصرية جديدة، اثر إستشعاره خطر انحراف واجهاض ثورته – ثورة 25 يناير /2011، التي اطاحت بسلطة مبارك وطغمته الحاكمة، لتنتهي السلطة التي تشكل موضوع الثورة وكل ثورة بين ايدي جماعة الاخوان المسلمين.
تلك الجماعة التي التحقت بالثورة بعد اندلاعها وغدت من قواها الفاعلة بين قوى أخرى تقليدية منهكة ضعيفة وحديثة شابة ينقصها التنظيم والتجربة، فاستطاعت توظيف خبرتها الطويلة وبنيتها المنظمة ومواردها الهائلة وعلاقاتها الخارجية والداخلية، في إحكام تفردها المتدرج بالسلطة عبر مسار متعرج ومشوش ومغلوط، وشرعت في اعادة صياغة بنى الدولة والجيش والسلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية طبقا لرؤيتها واهدافها، في رِدة صريحة عن اهداف الثورة وشعاراتها في الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية وعن بناء الدولة الوطنية المدنية الديمقراطية المنشودة التي ترعى التنوع والتعدد الثقافي والعرقي والفكري والسياسي ويتساوى فيها المواطنون رجالا ونساء دون تميييز على اساس الدين او العرق اوالجنس اوالمعتقد...
واذا كانت نتائج الاستفتاء في الرابع والخامس عشر من يناير الجاري بإقرار الدستور، بمثابة الخطوة الاولى في تنفيذ خريطة المستقبل التي وضعتها غداة ثورة 30 يونيو، قوى الشعب المصري وممثليه الذين انحاز لهم الجيش المصري بقيادة وزير الدفاع الفريق أول عبد الفتاح السيسي، فإن هذا الدستور الجديد يتطلع اليه المصريون والعرب باعتباره ليس دستورا لزعيم او تيار او جماعة او جيش او حزب، بل ترجمة وتطبيقا لشعار الثورة الأم الناظم "الشعب يريد اسقاط النظام" باستبدال حكم ودستور الفرد بدستور وحكم الشعب،هذا الشعار الذي بات ترنيمة يرددها كل الطامحين للحرية و للانعتاق في العالم اجمع .
بعد ان انجز الشعب المصري العظيم، الذي قفز بوعيه بين ثورتين وتعلم بتجربته الذاتية خلال عام واحد من حكم الرئيس السابق د.مرسي ما لم يتعلمه منذ امد بعيد، بمشاركته الواسعة غير المسبوقة في الاستفتاء على دستوره الجديد، ومصادقته على شرعية التغيير في الثالث من يوليو الماضي، فان خطوتين ايضا للامام باجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية سيضعان الشعب المصري ومعه الشعوب العربية في خضم ثورة مصرية - عربية عظمى تنقلهم من حال الى حال نوعي جديد، ينهي والى الابد حالة المراوحة والتردد المستمرة بوضع حد لخلط الدين بالسياسة ولفادح الضرر بكليهما وبشعوب الامة العربية، وترسي ثقافة ديمقراطية تحررية وطنية وقومية انسانية، ودستورا يحرّم ويجرّم بناء الاحزاب والنشاط السياسي على اسس دينية او عرقية او طائفية ومذهبية تقوض وحدة المجتمع وانسجامه ومناعته الوطنية وتحوله مرتعاً لكل غاز اجنبي او فاسد مستبد دعيّ.
لعله حال نوعي جديد في ما بعد ثورتين، الذي باتت فيه جماعة الاخوان المسلمين التقليدية المحافظة القديمة المتورطة في أوالمتواطئة مع العنف والارهاب خارج الشرعية وقوى الثورة، وعلى خلاف ما يعتقد البعض بأنها فوق التاريخ فإنها امام امتحان عسير، سيكشف مدى قدرتها على البقاء بالاستجابة للتطورات والمتغيرات الموضوعية الجارية بمعزل ورغماً عن ارادتها، وعلى العودة من جديد في اطار الجماعة الوطنية والقومية والمنظومة القانونية العصرية الحديثة، للحكم المدني الديمقراطي لتحتل مكانتها الطبيعية، فتعفي نفسها والمجتمع من تبعات سياسة انتحارية وفتنة مؤلمة، فتختزل زمنا وتضحيات تذهب سدى.
على الثورة ان تعرف وتحدد معسكر اعدائها بدقة فضلا عن اصدقائها، اذا ما أُريد لهذه الثورة المصرية العربية العظمى ان لا تقع فريسة الامبريالية الامريكية والعالمية، وبأن لا تلاقي مصير ما اسموه بالثورة العربية الكبرى للتخلص من الحكم العثماني عام 1916، التي وقعت فريسة لمكائد بريطانيا الاستعمارية، التي اجهزت سلفا باتفاقية سايكس بيكو (السرية)عام 1916 على استقلال ووحدة الدولة العربية الموعودة، وارست الاساس عبر وعد بلفور عام 1917 لزرع دولة الكيان الصهيوني وتجزئة وتبعية البلاد واحتجاز التطور السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي للشعوب العربية.
نعم ... لعلهم يصيبون كبد الحقيقة اولئك الكثيرون الذين لا يضعون الاستقرار في تضاد مع الديمقراطية و يعتقدون بانه، اذا ما اريد لهذه الثورة ان تنتصر حقا، فلا بد ان تعلم، بان قوى الثورة المضادة من ايتام مبارك التي تسعى باساليبها الناعمة الآن للانقضاض على ثورة 25 يناير، ستلتقي آجلا ام عاجلا مع قوى الثورة المضادة الناشئة بعد ثورة 30 يونيو، في مواجهة قوى الشعب والثورة وهي تخوض معركتها الديمقراطية السياسية والاجتماعية، ولعل في التجربة الفنزويلية البوليفارية عبرة لمن يعتبر.
وهو نصرٌ يتعذر الظفر به، دون ان تصون طلائع الثورة وحدة قواها المحركة وبخاصة من الشباب والطلبة والجنود والضباط المتحدرين من ابناء الطبقة العاملة والفلاحين الفقراء والشرائح الوسطى ومن النساء اللواتي اثبتن في الاستفتاء بأن رسالة الثورة قد وصلت، وان تواصل الثورة مسيرتها بان تضع موضع التنفيذ هدف العدالة الاجتماعية والتقدم الاجتماعي، المستند لكتلة اجتماعية تاريخية صاحبة المصلحة الحقيقية في الديمقراطية والتغيير، باعتبارها صانعة الثورة ودرعها وحامي اهدافها، جنبا الى جنب مع ممارسة الاستقلال والكرامة الوطنية والخلاص من التبعية، التي تعني مواجهة كيان الاحتلال الصهيوني، العنوان والشريك والاسم الحركي للسياسة الامريكية المناوئة للثورة المصرية واهدافها، وهما مهمتان مترابطتان عضويا لا يمكن انجاز احداهما دون الاخرى.
وبهذا المعنى فان الثورة اليوم، تخوض اشرس معركة سياسية وثقافية وقانونية واقتصادية بمحتواها الاجتماعي لتجسد دستور وحكم الشعب، وصون مصالح السواد الاعظم من الشعب المصري والشعوب العربية، التي ستحذوا عاجلا ام آجلا حذو شعب مصر في رفع مشعل الثورة الديمقراطية واحداث الانقلاب الثوري المنشود، ما يرشح ثورة 30 يونيو بجدارة نظرا لكل ذلك، ان تسمى بالثورة المصرية والعربية العظمى.
رئيس تحرير مجلة الهدف


