خبر : السلام الأميركي ... بقلم: عاطف أبو سيف

الإثنين 27 يناير 2014 10:08 ص / بتوقيت القدس +2GMT
السلام الأميركي ... بقلم: عاطف أبو سيف



يدرك جون كيري أن مهمته دخلته ثلثها الافتراضي الأخير، إذ أن نهاية نيسان ستعني انتهاء المدة التي نجح في انتزاعها من الطرفين لتحقيق إنجاز في ملف الصراع الأكثر تعقيداً في العالم. لم يملك الرجل الكثير من الوقت، وهو إن أراد أن يطلب تمديد "عقد الإيجار" فعليه أن ينجح على الأقل في إحداث تقدم ما. من المشكوك فيه أنه سينجح حتى ذلك الوقت، إذ أن جملة التصورات التي يقدمها تثير شكوكاً أكبر حول حقيقة ترجمته لما سمعه من مطالب، خاصة من الطرف الفلسطيني، بالقدر الذي يبدو من ردة الفعل الإسرائيلية أن كيري لا يفلح كثيراً في صياغة هواجس إسرائيل الأمنية باللغة نفسها التي يحترفها نتنياهو وبينيت وليبرمان – وكما يرغبون له.
كيري المتحمس بذل جهداً كبيراً مع الجانبين في سبيل الوصول إلى قواسم مشتركة، لكنه في نهاية المطاف وصل إلى نتيجة خاطئة حين ساوى بين الحاجة الوطنية الفلسطينية لإقامة دولة مستقلة، وبين المزاعم الإسرائيلية بالأمن. لقد سار الرجل في الطريق الخطأ حين وقع ضحية "البعبع" الإسرائيلي الذي يسمى الأمن، أو مثلما يقول المثل الشعبي "خذوهم بالصوت".
لقد أخذ كيري بالصراخ الإسرائيلي متناسياً أن أصل الصراع في المنطقة أن ثمة شعباً يبتلع حقوق شعب آخر، وأن هذا الشعب المبتلعة حقوقه هو آخر شعوب الأرض وقوعاً تحت الاحتلال الكامل بما تحمله الكلمة من هيمنة ومصادرة وقتل وتنكيل والأهم تغييب للحقوق السياسية.
يبدو أن كيري لم يقرأ كثيراً في كتب التاريخ ليعرف أصل المشكلة، أو هو قرأ ما وفره له أصدقاؤه من "إيباك" أو "جي ستريت" أو أعضاء الكونغرس من الموالين لإسرائيل، ونسي أن الفصل الأكثر دراماتيكية في هذا الصراع عنوانه "النكبة". أو هو فعلاً لم يعرف شيئاً عن وصول المستعمرين اليهود إلى فلسطين، التي كان فيها قبل وصولهم ثاني أكبر صحيفة انتشاراً في الوطن العربي حين لم يبلغ سكان فلسطين المليون والنصف مليون، وفريقها لكرة القدم كاد يكون أول فريق عربي يتأهل لكأس العالم، ناهيك عن مسارحها ودور السينما ومصانعها ونقاباتها ومدارسها التي كانت تستقطب طلاباً من كل الوطن العربي الكبير.
يبدو أن كيري يجازف بالخسارة، وهذه المرة قرر أن يصطف بشكل كامل وراء الرواية الإسرائيلية. صحيح أن التاريخ مؤلم، ولكن أي واقع هذا الذي يمكن أن يتم بناؤه على تاريخ مزور. إن الرجوع إلى أصل الصراع - كما للمفارقة يصر نتنياهو ولأسباب أخرى - يمكن لها أن تكشف لكيري الكثير من الأزمات. الغريب أن كيري لم يسمع نصيحة نتنياهو بالعودة لأصل الصراع، حيث، وكما يزعم رئيس الوزراء الإسرائيلي، فإن أصل الصراع هو هجوم أهل يافا على المستوطنين اليهود الذين وصلوا لعروس الساحل الفلسطيني من أوروبا عام 1921. بالطبع نتنياهو كان سيمتعض لو سأله كيري إذا ما كان هؤلاء المستوطنون جاؤوا من خارج البلاد.
إن السلام على الطريقة الأميركية لا يهم الفلسطينيين كثيراً. حيث إن شعباً أراد أن يعيش بسلام ولو لبعض الوقت قبل أن يفاوض أعداءه على عشرين بالمئة من أرض الآباء والأجداد لم يكن ينتظر من كيري أن يعيد صياغة المطالب الإسرائيلية له بلغة مختلفة. السلام الأمني والاقتصادي الأميركي وفق الرواية الإسرائيلية وبإخراج طاقم كيري لا يلزم الفلسطينيين كثيراً. لم يقل الفلسطينيون لكيري ما قالته اليمامة ابنة كليب للعرب "أريد أبي حياً"، لكنهم أيضاً لن يقبلوا أنه يكونوا ضحية رغبة كيري بالحصول على جائزة نوبل للسلام أو بنزيناً يدفع ماكينة ترشحه للرئاسة في المرة القادمة.
ليست المشكلة بإيجاد حلول أمنية تكفل أن تغلق فم الطفل الإسرائيلي المدلل الذي يشتكي نقص الأمن فيما هو يمتلك السلاح النووي والطائرات الزنانة ودبابات الميركافاة وصواريخ حيتس. إن السؤال الأمني الذي يجب صياغته بطريقة أخرى هو: كيف يمكن بعد أن ينال الفلسطينيون استقلالهم أن يضمنوا أمنهم أمام الغول الإسرائيلي. لكن كيري وكما أراد نتنياهو وقع في الشرك، فصاغ السؤال بطريقة معاكسة. فبدلاً من الانشغال بتلبية حاجة الفلسطيني للأمن، انشغل في سبل الاقتطاع من الجزء القليل من الأرض المخصص للدولة الفلسطينية لحماية إسرائيل. وربما لو أعمل مساعدوه عقولهم قليلاً لصار اقتراحهم: لماذا لا تقتطع إسرائيل من ارضها لإقامة مناطق عازلة بينها وبين الفلسطينيين إذا كانت حقاً مرعوبة منهم، كما أن أي حاجة أمنية لتواجد فيزيائي ومراقبة على طول منطقة الأغوار طالما ثمة اتفاق سلام بين الأردن وإسرائيل.
لكن المؤكد أن هذه لم تكن هواجس كيري بالمطلق، ولم تشغل بال الفريق المساعد، بقدر ما كانوا منهمكين في كيفية تخريج المطالب الإسرائيلية وتكييفها بلغة وتصور أميركيين. وعليه جاء كيري باتفاق الإطار الذي سيقدر له بالطبع لو تم - لا سمح الله - أن يعيش عشرين سنة.
لقد استبقت إسرائيل الأمر بشن حملة على الرئيس محمود عباس الذي نجح بأدوات مختلفة في إضعاف إسرائيل دولياً وفي جعل العالم – في سابقة من نوعها - يقف دفعة واحدة خلف المطالب الفلسطينية.
بدأ الأمر منذ جلسات كيري الأولى ونجاح الفلسطينيين بإطلاق سراح أسرى ما قبل أوسلو. ثمة وعود لا يمكن لأحد إلا أن يلتزم بها، وثمة ثوابت هي جوهر العمل السياسي الذي وفقه يمكن للحقوق الوطنية ان تنتزع. يبدو أن كيري لا يفهم ذلك، ويظن أن تحقيق السلام في الشرق الأوسط يمكن له أن يكون على حساب أحلام أطفال عين الحلوة وجباليا بوطن يعيشون فيه بسلام.