خبر : تونس: عبقرية التوافق وروح خير الدين باشا ..بقلم: د. خالد الحروب

الإثنين 27 يناير 2014 10:07 ص / بتوقيت القدس +2GMT
تونس: عبقرية التوافق وروح خير الدين باشا ..بقلم: د. خالد الحروب





آن لروح المصلح الدستوري الكبير خير الدين تونسي (١٨٣٠-١٨٨٩) أن تهدأ، ذلك أن التونسيين الذين حلم بأن يمارسوا حياة سياسية عصرية قائمة على الانتخاب الحر والدستور، وبما يقرر ويرسخ مبادئ العدل، والمساواة، والحرية، يقرون اليوم دستوراً عصرياً ومدنياً بروح توافقية حرة. خير الدين باشا كان مهجوساً بالإرادة الحرة، يكتب ويؤكد أن الرجال الأحرار هم وحدهم من يبنون مجتمعات ودولاً قوية.
التهم التونسي، القوقازي المولد، العثماني التوجه، التنويري الثقافة، الباريسي القراءات، أفكار عصره، وأدرك أن "أقوم المسالك في أحوال الممالك" يتأتى من انتمائها إلى زمنها، واستيعابها لما انتجته الشعوب والحضارات. وترجمة ذلك كله على صعيد جماعي عريض لا يتم إلا من خلال التعليم، وهناك كان هاجسه التقني الأكبر. تماماً كما كان مجايله المشرقي رفاعة رافع الطهطاوي مهجوساً ومهموماً في التعليم، كان خير الدين صاحب قناعة تقترب من القناعات الدينية بأولوية تنوير الأجيال وتعليمهم. لا ينبني الاقتصاد المتين، ولا الجيش القوي إلا على التعليم، هذا ما كان مترسخاً في وعيه ووجدانه. بيد أن الاقتصاد والجيش القويين ليسا سوى مناخ الحماية لما هو أهم: العدل، والمساواة، والحرية، وهي ما يلهج به السياسي الناشط آنذاك، وهي الروح التي كان يبثها في مستقبل تونس.
دستور تونس ما بعد الثورة الذي صاغه المجلس التأسيسي "فصلا فصلا" هو أرقى وثيقة دستورية مدنية تضبط الاجتماع السياسي في فضاء عربي منذ دستور المدينة في العهد النبوي. جوانب أهميته عديدة، بعضها وربما أهمها يتعلق بالتمرين والممارسة السياسية والديمقراطية الطويلة، التي خاضها الأطراف والخصوم في هدف الوصول إليه، والجوانب الأخرى تكمن في النص المُنتج ذاته وسماته القانونية والمدنية المتفوقة.
هذا الدستور إنتاج توافقي يمثل خلاصة جدل وسجال وخلاف ووفاق وتنازلات مُتبادلة من قبل الشرائح الأوسع تمثيلاً للتونسيين، وليس وثيقة فوقية صاغها شخص أو سلطة دكتاتورية وفرضها على الجميع. يمكن بكل ثقة القول إن الدستور هو وثيقة الشعب التونسي وثورته. بالتأكيد هناك ما يمكن نقده في الدستور الجديد واقتراح صيغ لمواد أفضل، لكن الأفضل الخلافي وغير لا معنى له أو فائدة منه، ويبزه الأقل فضلا والمتوافق عليه.
هنا بالضبط تكمن إحدى فضائل الديمقراطية وهي التمرين الصعب والمرير والمديد على الحوار والتنازل للأطراف الوطنية الأخرى، للوصول إلى المساحات المشتركة الوسطى، حيث يلتقي الجميع أو معظمهم على قاعدة المشاركة بالحكم وليس الاستئثار به. وهذه الممارسة الديمقراطية التي شهدناها في تونس، على اختلالتها وبطئها وما بثته من احتجاج بل وحتى حنين للعهد البائد بسبب غموض مساراتها وتعثر إنجازاتها الآنية هي الجوهر المهم في عملية إنتاج الدستور والتوافق عليه. في هذه العملية الطويلة صارت الغالبية السياسية تدرك بالممارسة والمعايشة، وليس بالتنظير الترفي، معنى السياسة الديمقراطية، حيث تتكبل أيادي كل طرف عن البطش بالأطراف الأخرى، وعدم إمكانية فرض ما يريد عليهم. تتحرك الكتلة السياسية الأهم والنخب في قلبها إلى الأمام، ببطء ممل، لكنه مترسخ على مبدأ جوهري هو "حتمية التعايش" مع الخصوم السياسيين، وهو الأمر (المرير ربما) لكن الذي لا مناص عنه.
التجربة التونسية تنتزع الإعجاب في وسط عواصف الفشل العربي والإقصاء والتشنج والدم المُراق في التجارب المشرقية، والتي أحالت "ربيعها" إلى خريف باهت. الفرادة الكبيرة والمُلهمة في التجربة التونسية تكمن في عبقرية التوافق وكبح جماح شبق وشهوة الاستئثار بالسلطة أو القرار. لم يتم ذلك من خلال مسيرة هادئة ووئيدة، بل على العكس كانت صاخبة، ومتوترة، وشهدت فصولا صعبة، جرتها إلى حواف الهاوية في اكثر من مفصل زمني. لكن عقلانية ووسطية التوانسة ظلت هي الظافرة تسحب الجميع من تلك الحواف وتعيدهم إلى الوسط. في قلب الوسط كان كان حجر الزاوية متمثلا في فكرة ضرورة اللقاء بين "الإسلاميين المعتدلين والعلمانيين المعتدلين" وتكوينهم كتلة مستقرة تقوم عليها المسيرة السياسية، وتتمثل حزبيا ومؤسساتيا بـ ترويكا "النهضة" و"حزب المؤتمر من أجل الجمهورية" و"التكتل الديمقراطي".
مثل هذا الوسط السياسي الإطار العريض للتوافق والاعتدال التونسي والسد الذي وقف في وجه التطرف الديني الأصولي من جهة والتطرف الحداثوي العلماني من جهة أخرى. في التمسك بهذا الوسط كان على الرموز السياسية والقيادية أن تقدم تنازلات كبيرة وأحيانا ممضة. كان على راشد الغنوشي أن يدين بالفم الملآن إرهاب السلفية الجهادية التي انتقلت من التكفير إلى التقتيل في تونس. وكان على المنصف المرزوقي ومصطفى بن جعفر أن يدينا الخطاب والممارسة المتطرفين لأصوليي الحداثة والعلمنة في تونس، وهي مواقف لم يكن بالسهولة تبنيها واجتراحها.
فضلا عن الآلية والتجربة والسياسة التي عكست نضجا متطورا باضطراد، هناك النص الدستوري نفسه وروحه المدنية المتميزة. الدستور التونسي الجديد يتشرب معاني المواطنة والمساواة والمدنية والحرية الفردية. يعكس انهماكاً بحرية الأفراد وكرامتهم والمساواة بينهم، ولا يعكس خوفا وتوترا لا حاجة لهما حول الهوية وتعريف الذات. منذ منتصف القرن التاسع عشر وسؤال الهوية و"من نحن" يطرق رؤوس المفكرين والمنظرين والأحزاب الأيديولوجية وصاغة الدساتير المسلوقة، وينهكهم ويضيع جهودهم. ثم أصبح هذا السؤال المفتعل وغير العملي، "من نحن"، الهاجس الأكبر للحركات الإسلامية التي طغت على الساحة منذ نصف قرن تقريبا. وإحدى المشكلات الكبرى في هذا السؤال المفتوح والذي لا يمكن غلقه لأنه متعلق بالهويات المتغيرة فرديا وجماعيا، إن تناوله دستوريا وقانونيا لا بد وأن يقود إلى قوننة ودسترة العنصريات الإثنية أو الطائفية. الإجابة الوحيدة الفعَالة عليه هي "المواطنة الدستورية": كل فرد في الدولة المعنية هويته تتمثل في مواطنته وانتمائه للدولة وفق تعريف دستوري يحدد الحقوق والواجبات، وليس الانتماءات الإثنية أو الدينية أو الهوى الأيديولوجي.
كل الدساتير العربية بلا استثناء تورطت في سؤال "من نحن" وبدأت به، ثم ارتبكت، وأدى ارتباكها إلى تقسيم مواطنيها بحسب دينهم أو عرقهم. في الدستور التونسي الجديد ليس هناك غرق في هذا السؤال، بل تأكيد على مدنية الأفراد ومواطنتهم. وفيه تحييد للدين بطريقة إيجابية وإناطة مسؤولية حماية الاعتقادات والحريات إلى الدولة، بما في ذلك حرية "الضمير" أي الاعتقاد والإيمان بأي معتقد. ينص الدستور أيضا، في واحد من أهم أوجه الفرادة فيه السياق العربي والإسلامي، على حظر استخدام المساجد للأغراض السياسية. ومناط الفرادة هنا يتمثل في قناعة حزب النهضة الإسلامي بهذا النص وإقراره له، وهو ما يُسجل لإسلاميي تونس، وهو للإنصاف ليس موقفا انتهازيا بل هو قناعة لديهم تمثلت في عدم توريطهم للمساجد في الدعاية الحزبية، وفي تخييرهم لأحد أئمة المساجد التابعين للنهضة بين استمراره في موقعه كإمام مسجد، أو الترشح للانتخابات النيابية، لأنهم لم يسمحوا له بالجمع بين الموقعين: النيابة، وهي السياسة، وإمامة المسجد وهي الدين. لعلنا سنرى على ارض تونس ما كان قد كتبه وحلم به وزيرها خير الدين باشا على الورق قبل أكثر من قرن!
Email: khaled.hroub@yahoo.com