في السادس والعشرين من كانون الثاني عام 2008 فاضت روح حكيم الثورة الفلسطينية القائد الكبير والزعيم الوطني المحبوب جورج حبش بعد صراع مع المرض تاركاً لنا إرثاً عظيماً من القيم والتعاليم التي أرسى معالمها منذ بدأ حياته النضالية من أجل وطنه لتحفر مأساة النكبة عميقاً في روحه الوثابة، المتمردة والتي بقيت حتى لحظاتها الأخيرة ترفض التنازل عن شبر واحد من فلسطين ولا تعترف بأي حل لا يتضمن عودة اللاجئين كلهم إلى أرضهم.
الحكيم كما كان يناديه رفاقه وأبناء حركته وجبهته لم تنحني له قامة ولم يعرف معنى الاستسلام ولا أجبرته تضاريس العمل الوطني والمجابهة الوعرة مع عدو متفوق أن يقدم أية مرونة في الرؤية الاستراتيجية للصراع إلى الحد الذي جعله يرفض مجرد اللقاء مع من وقعوا اتفاق أوسلو التفريطي. جورج حبش المناضل من أجل فقراء شعبه وكادحي أمته أسس حركة القومين العرب في مستهل النصف الثاني من القرن الماضي ليقدم نموذجاً فريداً في العمل العربي مناضلاً من أجل الحرية والاستقلال والوحدة العربية، وقد نجح في العمل القومي بخلق رموز مكافحة ألهمت شعوبها وتمكنت من تحريرها سواء في جنوب الوطن العربي أو شماله.
تعرض جورج حبش للاعتقال والملاحقة من قبل أكثر من نظام عربي وبتهديدات تناولته شخصياً دون ان تفت في عضده أو تخيفه ليتراجع عما نذر نفسه له، بل زادته إصراراً وتحدياً فقام بالتحرك للأمام واضعاً نصب عينيه تغييراً فكرياً لم يمس قناعاته القومية وعروبته الصافية لكنه أضاف لها بعداً علمياً إنسانياً بتبني الفكر الاشتراكي العلمي ليتقدم بعدها أكثر باتجاه الماركسية اللينينية التي جعلها نظرية للقياس والتحليل رابطاً المسألة الوطنية ببعدها الطبقي ومحتوى النضال بهذا وبكيفية تاسيس نظرية ثورية لخصها فيما بعد بالوثيقة الرئيسية للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين التي أسسها جورج حبش ورفاقه في الحادي عشر من ديسمبر عام 1967 وهي الوثيقة التي أطلقت عليها الجبهة عنوان: الاستراتيجية السياسية والتنظيمية، وحددت معالم تكتيكها السياسي والكفاحي بوثيقة ملحقة بالأولى تحت عنوان: مهمات المرحلة الجديدة. إن من يطالع تلك الوثائق يدرك كم كان الرجل مسكوناً بقضايا أمته ووطنه فلسطين وكم كان يعول على كادحي هذا الوطن من أجل استعادة حقوق الشعب الفلسطيني والأمة العربية. إن هزيمة عام 1967 كشفت معدن الشهيد جورج حبش حين تجاوز حالة الاحباط والهزيمة التي اصابت مصر ونظامها العروبي نحو بث روح المقاومة والتنظير للتناقض باعتباره تناقضاً تناحرياً لا يقبل القسمة أو الحلول الوسط وترسيخ مفاهيم الكفاح المسلح وحرب التحرير الشعبية.
لم يكن الحكيم من الثوريين الذين لا ينصتون لصوت الشعب بل كان أفضل من عبر عن ضميره بحكمة وحرص جعله في نظر الناس ورفاقه قديساً يطمئن المواطن الفلسطيني لاستعادة حقوقه في ظل قيادته وفهمه العميق والثوري للمعركة باعتبارها معركة وجود تستهدف اقتلاع الدولة العنصرية الاسرائيلية من المنطقة. الحكيم بروحه وأسلوب قيادته وتعامله المتميز مع رفاقه حظي بثقة وحب لا يضاهيه سوى حب الوطن والثقة بحقنا في وطننا وبهذا حاز المرتبة الرفيعة والمكانة العالية بين أبناء الشعب الفلسطيني، أما الشهداء فكانوا بالنسبة له ايقونة العهد الذي لا ينفصم بينه وبين ما وطد نفسه من أجله. كانوا لا يغيبون عن ذاكرته وفي كل مناسبة لا يحلو له الكلام إلا عن مآثرهم وعهده لهم بمواصلة الدرب. كانت الدموع تفيض من عينيه حباً وتأثراً حين يستقبل زوجة شهيد أو أحد أبنائه. كان يشعر بواجب الخضوع لكل عبرات الحب والذكرى حين يحضر ذكر الشهداء وكان يعرف أكثر من أي زعيم واجبه تجاه الشهداء. الحكيم كان يحمل في قلبه كل الود والمحبة لرفاق الأرض المحتلة ويحفظ لهم دورهم الكبير والخطير الذي يقومون به ولم يتأخر في أي فترة عن مدهم بما يحتاجوه من وسائل الصمود والتقدم لضرب العدو، تماماً كإيمانه بالشعار العظيم لرفيق دربه الشهيد وديع حداد "وراء العدو في كل مكان" الذي جعل صحف العدو تنعى الرجلين بطريقة العدو الحاقد والمكابر حين قالت في وفاة الحكيم بأنه ما كان له أن يرحل بهذه الطريقة لولا تقصير مخابرات العدو في ملاحقته وقد جربت وفشلت، وقالت الصحف العبرية أن جورج حبش كان يجب أن يرحل اغتيالاً على يد الموساد ليكون كغيره عبرة للآخرين من السائرين على درب الشهادة ضد دولتهم العنصرية، أما القائد الثاني وديع حداد فقد شككت هذه الصحف في خبر وفاته ونادت بأن يقوم أحدهم بفتح التابوت ليتأكد ان الراحل هو وديع حداد...وبعد
جورج حبش الذي ترك منصبه طوعاً مانحاً الشعب الفلسطيني القدوة والنموذج لمن سياتي بعده أسف أنه لم يغادر هذا المنصب في المؤتمر السابق وفي تبريره للبقاء فترة أخرى قبل أن يترك منصبه قال لي بالحرف الواحد: والله يا رفيق لولا ضغط الرفاق من داخل الأرض الممحتلة لما بقيت حتى الآن، وأكمل الحكيم رحمه الله أنه لم يستطع مقاومة رغبة الرفاق تحت الاحتلال وفي موقع المواجهة الأول فبقي إكراماً لهم وليس حباً في المنصب. جورج حبش كان أكبر من منصبه ومن كافة المواقع التي يمكن ان يشغلها مؤسس حركة القوميين العرب والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وهو بما ملك من أخلاق ثورية رفيعة وفكر نير خلاق يستحق في ذكرى رحيله تحية شعبه ورفاقه وأمته التي احبها فأحبته...سلاماً لروحك أيها الرفيق وسنبقى عند ماتعهدنا به وأنت تودعنا وستبقى فلسطين، كل فلسطين، بوصلتنا ومهوى أفئدتنا حتى نلقاك في عليين. ذكراك تعطر الكون بشذى زهر البرتقال، ومكانك سيبقى في قلب رفاقك دائماً.
Zead51@hotmail.com


