أتابع المفاوضات بيننا وبين إسرائيل ككاتب في الشأن السياسي العام منذ العام 1991، أي منذ البداية الفعلية لهذه المفاوضات بانعقاد مؤتمر مدريد للسلام في خريف ذلك العام، وانبثاق جولات التفاوض الماراثونية عن هذا المؤتمر في واشنطن، وهي المفاوضات التي ترأسها عن الجانب الفلسطيني حيدر عبد الشافي، الذي كان في ذلك الوقت هو كبير المفاوضين، وكانت السيدة حنان عشراوي الناطقة الإعلامية باسم الفريق التفاوضي، بينما كان عرفات في تونس يتابع سيرها عبر مندوبه الخاص إليها الدكتور نبيل شعث، الذي بدا كما لو أنه المشرف او المنسق العام او ضابط الاتصال بين عرفات والوفد المفاوض. هكذا ربع قرن من عمري المهني تقريباً والمفاوضات تجري كفيلم أميركي طويل، يكبر فيه الممثلون في العمر ويشيخون وبعضهم يموت، ولكن المفاوضات، الفيلم الطويل لا ينتهي، واذا أضفنا الى ذلك عشر سنوات أخرى من الحجلان والمناورات والمبادرات والمماحكات والمراودات قبل بلوغ رقصة التانغو الأخيرة في واشنطن، وبعد ذلك في أوسلو. فإننا نتحدث عما مجموعة 35 عاماً من هذه المراودات عن النفس، وكل هذا النكاح لا يسبب الحمل المنتظر بعد.
ولقد كان ذلك وهماً عظيماً قبل هذه السنين الاعتقاد المفعم بالأمل والتوقعات، ولكن المؤيد بتجارب التاريخ بأنه ما ان نبلغ عتبة المفاوضات، هذه اللحظة التاريخية التي يجلس فيها الأعداء على الطاولة السحرية ويتكلمان احدهما الى الآخر وجها لوجه، فإن السلام ينبثق من رحم هذه القوة السحرية التي تملكها الكلمات، وفشلت في تحقيقها الحروب. تماما مثل انتظار ظهور آلهة الحكمة الإغريقية "منيرفا" عند لحظة الغسق، اختلاط النور بالظلمة عند هذا الغسق الذي يخدع البصر، وقد نسينا عند هذا المنعطف التعوذ من شر هذا الغاسق اذا وقب. وانه وحده التفسير السوقي للتاريخ الذي يمكن ان يتسبب بهذا الخداع الذاتي لمكر التاريخ، والذي يمكن ان ينشأ عنه هذا الوهم العظيم بأن سيناريو المفاوضات بين الفيتناميين وأميركا، يمكن تكرارها بنفس النسخة هنا بيننا وبين الإسرائيليين. وهكذا في لحظة مبكرة من بدء هذه المفاوضات قال عرفات: إنني ابحث عن ديغول الإسرائيلي، ورددنا مثله: أين ديغول ؟ وهل رابين هو ديغول إسرائيل المنتظر؟.
لعله كان بالفعل ديغول او غودو المنتظر، لكن ديغول في الحالة الإسرائيلية لم يكن ممكنا أكمال دوره التاريخي، وما كان له ان يلعب هذا الدور في تمثيلية صممت أصلا لتستمر كملهاة تاريخية بلا نهاية، فقتل الرجل قبل ان يكمل النص لأنه ربما حاول الخروج عن النص.
وآنذاك حاولنا في إطار هذا الوهم وكنوع ربما من تشاؤم او حذر باطني في اللاوعي، عقلنة إدراكنا او وعينا بحقائق الصراع او المسألة، بتأطير او قل ترشيد هذا الإدراك ببعض المفاهيم المهدأة او المخفضة للحرارة، من قبيل ان هذا الصراع لا يمكن حله او حسمه بالضربة القاضية، وبالتالي ان نجمع النقاط ونراكمها، أي إحلال النفس الطويلة بدلا من النفس القصيرة، التي هي من طبيعة البرجوازية الصغيرة وصفة مذمومة للأشخاص من برج الحمل.
ونسينا نحن او تناسينا انه ما كان لديغول آخر ان يبرز في هذه الإسرائيل، اذا كان ديغول الأصلي وغير المزور هو الذي تحدث بافتخار عن فرنسا العظيمة الجديرة بذاتها. وان فرنسا عانت من آفة أخيل، كانت تفصلها حدود بحرية "بحر الروم" عن الجزائر، بينما نهاريا على مرمى حجر من قلقيلية، وكذا تل أبيب على مرمى صاروخ من غزة. ام تراها المسألة الدعوة ليست سوى نوع من التذاكي الفلسطيني، الإغواء الماكر لاستدراج جوليات المتجبر وترويض الحية. حتى رأينا بالأخير انفسنا بدلا من ديغول نقف أمام شارون، اذا لم يكن ثمة في هذه الإسرائيل التي ولدت من رحم غير شرعي، إمكانية أو احتمال أن يظهر فيها زعيم او رجل تاريخي يستطيع التفوق على نفسه وعليها.
وفي السياق نفسه ومن قبيل ترويض انفسنا بالحكمة الخالدة، وقد بلغنا في استدارتنا حول انفسنا ما تفعله الحية بلدغ ذيلها، روضنا انفسنا على القبول بالعدالة الممكنة اذا كان من المستحيل الحصول على العدالة المطلقة. وقد عبر عن هذا الممكن الذي هو تعبير عن فض الاشتباك بين المثالية والواقعية، عرفات نفسه بتكرار القول مرارا بأننا لا نطلب القمر أي المستحيل.
ولكننا في غضون هذه العملية التي بدأناها مبكرا للتماهي مع إعادة تكييف أهدافنا المطروحة، ومع ما هو ممكن وقابل للتحقيق، غفلنا عن سؤال الاستراتيجية فيما اذا كان تلويحنا بالحد الأدنى من مطالبنا يمكن ان يكون موقفا تفاوضيا سليما؟ كمتراس دفاعي صلب غير قابل للاختراق. اذا كانت رافعة الشرعية الدولية او الإجماع الدولي، او ما يسمى بالمجتمع الدولي، انما هي رافعة مخادعة ومهتزة اذا كانت تفتقد هي بدورها الى قوة ضاغطة، تمس المصالح الصلبة لمجموع هذه الأطراف الذين ينطقون باسم هذه الشرعية، أي مصالح الممثلين الحقيقيين لهذه الشرعية او المحكومية العالمية.
ولقد كان خطاب عرفات أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة العام 1974، واحدا من أبلغ وأقوى خطابات العرب الموجهة الى الغرب في القرن العشرين. لكنه ما ان انتهى عقد السبعينيات فإن ما عرض على عرفات وعلينا لا يتجاوز الحكم الذاتي أي "الاستقلال الداخلي" بحسب الصيغة المبتكرة التي طرحها الفرنسيون العام 1956 على الحبيب بورقيبة. واليوم لعله من الباعث على الفضول والتأمل ان نلاحظ ان ثلاث محطات رئيسية، ثلاثة مواقف نادرة شهدها عقد السبعينيات، كأنها كانت تشير الى المحاور الرئيسية التي سوف تحدد لاحقا البدائل الثلاثة الممكنة التي سنواصل الصراع معها :
1- في العام 1971 طرحنا حل الدولة العلمانية الديمقراطية التي توازي اليوم خيار الدولة ثنائية القومية.
2- إقامة السلطة الوطنية على أي جزء يتم تحريره وهو ما يعادل حل الدولتين.
3- وأخيرا الحكم الذاتي الذي طرح على هامش المفاوضات المصرية الإسرائيلية في "الميناهاوس"، تمهيدا لاتفاقية كامب ديفيد. وهو الخيار الذي لم يكن ممكنا لعرفات القبول به بينما كانت سورية حافظ الأسد والعراق يقيدان قدرته على القيام بهذه المناورة وقبول دعوة السادات للتفاوض المبكر على الحكم الذاتي الذي وافق عليه في اوسلو بعد 15 عاما.
وفي التصور الافتراضي قد يمكن القول إن إنجاز فتح التاريخي قوتها الدافعة، يتمثل اليوم بتحقيقها إقامة السلطة الوطنية او الحكم الذاتي، وإحداث النقلة من الثورة إلى عتبة الدولة بل وتحقيق الاعتراف بالدولة السياسية. كما يمكن ان ننظر إلى ان انجاز حركة حماس قوتها الدافعة يتمثل بتحرير جزء من هذه الدولة بقوة السلاح والمقاومة، وبلورتها لخطة فعلية واستراتيجية لهذه المقاومة المسلحة، ولكن في بؤرة او شطر محدود جغرافيا من هذه الدولة، دون ان تبدو هذه القوة الدافعة قادرة على تحقيق هدف تحرير كامل الدولة.
فما هي إذن قوام القوة الدافعة في الطريق الى تحقيق او التفاعل مع الخيار الثالث المتبقي ؟ وهو خيار الدولة الديمقراطية العلمانية او ثنائية القومية ؟ هل هو العدو نفسه أي بنيامين نتنياهو هذه المرة ؟ إذا كانت الضفة الغربية هي التماس الجغرافي الذي يشكل قلب فلسطين التاريخية، وحجر الجسر او القنطرة في تلاحمها الجغرافي، واي حل يستثني ربطها الجغرافي بغزة شطرها الآخر المكمل، أي اقل من كامل السيادة الفلسطينية عليها، إنما هو الذهاب الى هذا الخيار الثالث، الخيار الوحيد ربما الممكن لحل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي حلا نهائيا، وتحقيق الرضا المتبادل اذا كان يبدو من شبه المستحيل على الطرفين ان يقضي احدهما على الآخر، اقله في المدى القريب.
ويبدو سيناريو اللحظة الجنوب إفريقية هو الأقرب الى الحالة الفلسطينية الإسرائيلية، وكل ذلك بفعل الاستيطان. أو ليس التحرك الأوروبي وعزلة إسرائيل الدولية اليوم، ما يشي بلحظة تذكر او تعيد رسم المشهد الجنوب إفريقي؟.


