خبر : ما لم يَقله "ستيفن هاربر"!! ...بقلم: محمد ياغي

الجمعة 24 يناير 2014 11:34 ص / بتوقيت القدس +2GMT



صباح الثلاثاء الماضي استوقفتني سيدة كندية أعرفها منذ سنوات لتخبرني بأنها تشعر بالمرارة من خطاب "ستيفن هاربر"، رئيس وزراء كندا، في الكنيست الإسرائيلي فهو في نظرها منحاز بقوة للاحتلال وبأنه لا يعبر عن موقف الكنديين. السيدة، التي لم يكن موضوع الصراع الإسرائيلي- الفلسطيني حاضراً في السابق في أحاديثي معها، فاجأتني بالقول: أرجو أن تنقل لعائلتك اعتذاري لهم على هذا الخطاب الرديء. لم أمتلك غير أن أقول لتلك السيدة بأني أتفق معها، وبأني أعلم جيداً أن موقف "هاربر" لا يعكس حقيقية موقف غالبية الشعب الكندي الذين يرفضون استمرار الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطيني.

في نفس اليوم التقيت بصديق، محاضر جامعي، وأبلغني بأنه أرسل رسائل لأصدقائه في فلسطين يخبرهم بأنه لا يتفق مع قاله "هاربر" في زيارته وأن حديثه لا يعبر عن موقف الكنديين. في اليوم التالي التقيت بصديق كندي-يهودي وهو أيضاً أبدى انزعاجه من خطاب هاربر في الكنيست، مضيفاً بأن غالبية الجالية اليهودية في كندا ترفض استمرار الاحتلال وتدرك بأن المشكلة هي في اليمين الإسرائيلي الذي أصبح موقفه "مخجلاً" ويصعب الدفاع عنه.
الحقيقة أن مصدر انزعاج الكنديين ليس التحيز الواضح لإسرائيل في خطاب "هاربر"، وليس المبالغة الشديدة في "حبها" مظلومة أو ظالمة، وليس الشعور بأن الخطاب قد جعل من سياسة كندا الخارجية تابعة لإسرائيل، ولا أيضاً الانطباع العام بأن سياسة هاربر الخارجية لا تخدم مصالح كندا.. هذا مجرد جزء من الأسباب التي دفعت بهؤلاء الأصدقاء للتعبير عن رفضهم لما سمعوه.. لكن السبب الأساسي يكمن في أن موقف كندا تاريخياً من الصراع الإسرائيلي- الفلسطيني مماثل لموقف الاتحاد الأوروبي- بمعنى أن كندا تدرك بأن إسرائيل دولة احتلال وأن عليها إنهاء احتلالها ليحل السلام.. وفي موازاة عدم ضغطها على إسرائيل لتنفيذ قرارات الشرعية الدولية، هي أيضاً لم تعط سابقاً شيكاً على بياض لإسرائيل لتفعل ما تشاء، وهو بالضبط ما فعله هاربر.
الأهم من ذلك بأن هاربر تجاهل موقف وزارة خارجيته التي قامت بتحديث موقعها الإلكتروني عشية زيارته لإسرائيل ومناطق السلطة الفلسطينية لتوضيح مواقف كندا من القضايا الخاصة بالصراع. يقول موقع الوزارة تحت عنوان "السياسة الكندية فيما يتعلق بالقضايا المحورية في الصراع الإسرائيلي- الفلسطيني" بأن كندا لديها مواقف واضحة تجاه القضايا التالية:
القدس: كندا لا تعترف بضم إسرائيل للقدس الشرقية لها، وأن مسألة القدس تحل في إطار الاتفاق الشامل بين الطرفين.
اللاجئين: كندا تؤكد أن قضية اللاجئين هي قضية مركزية في هذا الصراع وأن الحل لها يجب أن يكون على أساس قرار الجمعية العمومية للأمم المتحدة رقم 194 والذي أكد عليه قرار مجلس الأمن رقم 242. ويقول موقع الوزارة أيضاً بأن هذا الحل يجب أن يتم الاتفاق عليه بين الطرفين في إطار احترام حقوق اللاجئين بما يتفق مع الشرعية الدولية.
المستوطنات والأراضي المحتلة: كندا تؤكد عدم اعترافها بالسيطرة الإسرائيلية على (الضفة، والجولان، وغزة، والقدس الشرقية) وأن ميثاق جنيف الرابع ينطبق على هذه الأراضي ويؤسس لواقع أن إسرائيل كقوة محتلة عليها ان تلتزم باحترام حقوق الإنسانية للسكان. ضمن هذا السياق ترى كندا أن المستوطنات الإسرائيلية هي خرق لميثاق جنيف وقرارات مجلس الأمن رقم 446 و 465 وهي بالإضافة لذلك تشكل عقبة جدية في طريق سلام دائم وعادل.
حتى الموقف من الجدار العازل جرى توضيحه على موقع الوزارة والذي جاء تحت مسمى الحاجز، The Barrier، وهو يقول بأن من حق إسرائيل أن تقيد الحركة باتجاه دخول أفراد لأراضيها بما في ذلك بناء "الحاجز" لكن هذا الأخير يجب أن يبنى على أراضيها هي وليس على أراضي الضفة والقدس الشرقية. كندا تعارض بناء هذا الحاجز لأنه ينتهك ميثاق جنيف الرابع، ولأنه أيضا يؤدي الى مصادرة الأراضي وتدمير البيوت والاقتصاد في المناطق المحتلة.
هذه هي مواقف كندا التي أعلنتها عشية الزيارة وكان غالبية الكنديين ينتظرون إعلانها من قبل هاربر في المؤتمر الصحافي في رام الله وفي الكنيست الإسرائيلي، وهي مواقف في جوهرها تتقاطع مع مواقف السلطة الفلسطينية ولا تتقاطع مع مواقف إسرائيل. لكن هاربر اختار الانحياز لأيديولوجيته ولقناعاته الشخصية ولم ينحز للسياسات المعلنة من قبل الدولة التي يرأسها. لقد شكل هذا مصدر الانزعاج الرئيسي للكنديين المهتمين بالسياسة الخارجية لبلدهم والقائم تاريخياً على الحرص على تقديم موقف متوازن من الصراع ومنسجم مع الشرعية الدولية، وهو الموقف الذي عبرت عنه وزارة الخارجية على موقعها الرسمي، ولكنه الموقف الذي لم يأت هاربر عليه بالحديث في زيارته لصديقه الشخصي نتنياهو.
من المؤكد أن "ورقة المواقف" التي أعدتها الخارجية قد تمت بالتنسيق مع هاربر وأنه اطلع عليها، وربما قام بتعديلها أيضاً قبل نشرها، فهو في نهاية المطاف يتحمل مسؤولية السياسة الخارجية.. لكن الغريب هو تجاهله تماما لها أثناء الزيارة. هل كان سبب ذلك أنه لم يرغب بإفساد "فرحة" نتنياهو بزيارة صديق له، في وقت تشعر فيه إسرائيل بالضيق من حليفها الإستراتيجي، الولايات المتحدة.. ربما!
ما هو مؤكد أن كندا قد بنت لنفسها "سمعة" الالتزام بالقانون الدولي واحترامه منذ عشرات السنيين، وأن مواقف هاربر المعلنة في الصراع الإسرائيلي- الفلسطيني، وفي ملفات أخرى تخص الشرق الأوسط، تسيء لمبدأ أصبح جزءا من الهوية الكندية يُشعر الكنديين باحترامهم لذاتهم وبأنهم ينتصرون لحقوق الإنسان في كل ما يتعلق بملفات السياسة الخارجية، وأن إسرائيل وفقاً لذلك، ليست استثناءً كما يريد لها هاربر أن تكون.