خبر : أهداف وأبعاد العدوان المرتقب على غزة ...بقلم: طلال عوكل

الخميس 23 يناير 2014 08:22 ص / بتوقيت القدس +2GMT
أهداف وأبعاد العدوان المرتقب على غزة ...بقلم: طلال عوكل



على نحو ملحوظ تتصاعد حمى العدوانية الإسرائيلية، التي لا تتوقف في الضفة الغربية والقدس، عبر التهويد والاستيطان المكثف، والمزيد من عمليات الدهم، والاعتقال، والقتل، وفي قطاع غزة، حيث تعمد إسرائيل إلى تصعيد متدرج. يهدد نتنياهو بأن يصل قريباً إلى مستوى عمل عسكري عدواني واسع.
التصعيد الميداني الإسرائيلي يترافق مع تصعيد سياسي يتصل مباشرة بملفات التفاوض، وبالجهد الأميركي الذي يديره وزير الخارجية جون كيري، ويتضمن توسيع دائرة التحريض على السلطة والرئيس الفلسطيني محمود عباس، الذي لا يتمتع بأهلية الشريك مرة، ويتهم بالتطرف كل الوقت.
في علاقة عكسية مع هذا التصعيد المدروس والمنهجي، تتراجع التصريحات التي تحمل معاني التفاؤل بشأن إمكانية نجاح كيري في دفع الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي، نحو التوصل إلى اتفاق ما، حده الأدنى تجنب إغلاق الملف وإعلان الفشل، وإتاحة المزيد من الوقت لاستمرار المفاوضات.
الرئيس الأميركي باراك أوباما الذي سبق له، أن عبّر عن تفاؤله بعد الجولة التاسعة لوزير خارجيته، أدلى خلال هذا الأسبوع بتصريح لافت، عبّر من خلاله عن تشاؤمه، حين قال إن حظوظ النجاح، تتراجع إلى خمسين في المئة.
غير أن كيري المتفائل، قد عبر بطريقة أخرى، عن تشاؤمه حين أجل زيارته للمنطقة، التي كانت مقررة كما ورد على لسانه، بعد أربعة أيام من جولته السابقة، وآثر، دعوة وفدي التفاوض إلى واشنطن، رغم أنهما كانا خارج دائرة المفاوضات الفعلية التي أدارها كيري مع الرئيس عباس، ونتنياهو.
كيري عبر عن استيائه من تصريحات بعض وزراء حكومة نتنياهو، لكنه على الأرجح فشل في محاولته، الحصول على موقف عربي أراده أن يكون أكثر "كرماً" من الموقف الفلسطيني، وفشل، أيضاً، في انتزاع بعض التنازلات من الحكومة الإسرائيلية، التي رفضت فعلياً كل ما تقدم به من أفكار. كيري وإدارته، والأوروبيون، يدركون، بأن إسرائيل هي الطرف المسؤول عن إعاقة، وإفشال المسعى الأميركي، ولكنهم لا يصرّحون بذلك علنياً، الآن بحجة عدم استفزاز اسرائيل، ودائماً بسبب الانحياز الكامل للرؤية الإسرائيلية. هكذا تحاول إسرائيل، لاحباط الجهد الأميركي، ولإنقاذ الإدارة الأميركية من حرج الاعتراف بالفشل، والاعتراف بمسؤولية إسرائيل عن فشل المفاوضات، فتلجأ تارة لإعلان المزيد من العطاءات الاستيطانية، وأحياناً لتصعيد العدوان العسكري.
وإذا كانت الاعلانات الاستيطانية، لم تؤد حتى الآن لا إلى وقف المفاوضات ولا إلى موقف أميركي، أوروبي واضح، يدين السلوك الإسرائيلي المعطل للجهد الأميركي، فإن إسرائيل ستلجأ إلى خلط الأوراق عبر عدوان عسكري كبير على قطاع غزة، تحت ستار كثيف من الدعاية والتحريض. تتوقع إسرائيل أنها يمكن أن تقوم بعدوان واسع على قطاع غزة، لا يشبه من حيث الأهداف الميدانية، العدوانات السابقة، وفي اتجاه أقسى مما عرفناه، بدون أن تكون هناك ردود فعل عربية واسعة، وضاغطة إلى حد يجبرها على وقف عدوانها. فالوضع العربي ضعيف، مشتت، منشغل في الأوضاع والأوجاع الداخلية، ويركز ما يتمتع منه ببعض الهدوء، على أجندات وأولويات مختلفة.
وعلى الصعيد الفلسطيني تتوقع إسرائيل أن تؤدي وحشية العدوان، وأهدافه، وحجمه وطبيعته إلى إحراج القيادة الفلسطينية، أو دفعها لاتخاذ موقف يؤدي بها إلى قطع المفاوضات، قبل انتهاء المدة المقررة لها، فتكون، قد أعفت نفسها من مسؤولية فشل المفاوضات، وألقت بالكرة في حضن الفلسطينيين، وأيضاً تكون قد أعفت الولايات المتحدة من حرج إعلان الفشل، أو إدانة إسرائيل.
وعدا عن ذلك فإن العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، الذي توعد نتنياهو بأن يكون قريباً جداً، من شأنه أن يقطع الطريق على المساعي الفلسطينية لتحقيق المصالحة الوطنية.
الحسابات الفلسطينية في مواجهة عدوان إجرامي، متعدد الأهداف ينبغي أن تأخذ هذه المرة في الحسبان، أن الظروف التي استدعت من إسرائيل التعامل مع الانقسام باعتباره ذخراً استراتيجياً لم تعد قائمة.
كانت إسرائيل قبل ثورة الثلاثين من آذار العام الماضي في مصر، مستعدة لتحمل الآثار الناجمة عن تلقيها، الصواريخ التي تطلقها المقاومة طالما أن لديها أهدافا سياسية استراتيجية، ولكن فشل هذه الأهداف، تجعلها تتعامل بطريقة مختلفة مع ما تملكه المقاومة من صواريخ وأعتدة وأسلحة، وان تنظر لما تمتلكه المقاومة في غزة على أنه ينطوي على تهديد أمني وعسكري استراتيجي لا يمكنها احتمال مواصلة الصمت عنه، أو التعامل معه تكتيكياً.
لقد بقي من أهداف الانقسام بالنسبة لإسرائيل، إضعاف الكل الفلسطيني، ومواصلة التشكيك بالتمثيل الفلسطيني، وبأهلية الشراكة في عملية السلام، بالإضافة إلى توفير الذرائع لمن يريد من العرب التنصل من مسؤولياته تجاه القضية الفلسطينية وشعبها.
وإذا كانت الحرب على قطاع غزة، ستؤدي من بين ما تؤدي إليه إلحاق ضرر جسيم بعملية التفاوض، فإن الحاجة تسقط لمواصلة ادعاء إسرائيل بعدم وجود شريك فلسطيني.
الحديث عن عدوان إسرائيلي واسع وقريب، لا يستند فقط إلى، التصريحات النارية التي تصدر عن مسؤولين سياسيين وأمنيين، وإنما إلى متابعة حثيثة، للتدرجية التي تسلكها العدوانية الإسرائيلية. وسواء استندنا إلى الوقائع، أو إلى التجربة العملية أو إلى التحليل، فإن كل ذلك يقودنا إلى أن لجوء إسرائيل إلى أسلوب الاغتيالات كما حصل أول من أمس، وقبل ذلك بيومين، فإن هذا يعني أن العدوان على غزة، قد أصبح قريباً جداً، وأقرب من إمكانية تحقيق المصالحة، التي لا تزال محبوسة في صندوق الحسابات الخاطئة.