خبر : لَكُم رأيُكُم وَليَ رأيْ....بقلم: آصف قزموز

السبت 18 يناير 2014 10:29 ص / بتوقيت القدس +2GMT



عندما يفقد الإنسان الحجة القوية والدليل الدامغ لمواقفه، سرعان ما يمتشق سيف الصوت العالي وإثارة الضجيج والشتيمة وسب الآخرين بغير حساب، وهذا أيضاً لسان حال كل الذين يمثلون في حقيقتهم ظواهر صوتية وحسب، لذا لم تفلح اعتذارات يعالون وزير الجيش الإسرائيلي، في إنهاء الأزمة تماما بين إسرائيل والولايات المتحدة، وعلى رأي المثل "الولد العاطل بجيب لأهله المسبة". لكن نتنياهو رئيس الحكومة الإسرائيلية، والذي لا يختلف موقفه في الجوهر عن موقف يعالون وكذلك شمعون بيريس رئيس الدولة، كانا الأكثر لباقة في التعاطي مع موقف الولايات المتحدة تجاه السلام، ولاسيما تجاه جون كيري رئيس الدبلوماسية الأميركية، الذي كان عرضة للشتم والذم من قبل يعالون، الأمر الذي أشاد به تبادلياً جون كيري، حين أكد استمرار الولايات المتحدة والرئيس اوباما بالسعي لإحلال السلام بين الفلسطينيين والاسرائيليين، مضيفاً "اتكلم مع رئيس الوزراء نتنياهو بشكل مستمر، وكلانا ملتزم بالمضي قدماً في عملية السلام ولا يمكن ان ندع بعض التصريحات تخرب هذه الجهود، وأنا شخصياً لا انوي ذلك" على حد قوله.

في ضوء المعطيات القائمة والحقائق المرة، يصبح لزاماً علينا أن نعمل على خلق حاضنة شعبية للموقف الفلسطيني والثوابت الفلسطينية، تكون سنداً وقاعدةً صلبة للرئيس أبو مازن والمفاوض الفلسطيني عموماً، وبالتالي نتابع السير قدماً في مقاطعة منتجات المستوطنات وخلق حالة جماهيرية شعبية على الأرض لإسناد ودعم السياسة الفلسطينية، بدلاً من محاولات خلق البلبلة والشائعات التحريضية ضد السياسة الفلسطينية، تحت عناوين ومسميات لا أساس لها بشكل يجعل هؤلاء من حيث يدرون ولا يدرون جزءاً من المعسكر المقابل.
لكن كل هذا يؤكد على أهمية أن لا يكون الشعب بعيداً عن حقائق ما يجري في التفاوض، بالحدود التي لا تضر بالمصلحة العامة من جهة، وتحصن المواطن من الشائعات والمواقف المغرضة والمضللة لحساب أجندات فردية أو فئوية وخارجية مقصودة من الجهة الأخرى، لا بل ويتحتم علينا إيلاء كل الجهد والاهتمام في تسويق ما يجري وتوضيحه للناس بدلا من ضياع الناس في الشائعات.
كيف لا، ونح نشاهد المعارضة الاسرائيلية، يستثمر فيها نتنياهو كسندٍ داعم له متى شاء، ويستعملها ضدنا وفزاعةً في وجهنا ووجه أميركا والمجتمع الدولي، بينما معارضتنا الفلسطينية وحتى العربية، لم تبرح مربع المعارضة السلبية، ولا تتعدى عمليات الشتم والقدح والذم والتثبيط، ناهيك عن تنصيب نفسها في غالب الأحيان حَكَماً يطلق صافرته كيف ومتى شاء، وتوزيع فِيَشِ الوطنية والخيانة عمال على بطال!! وهذا أمرٌ مريب وغريب ويجب أن ينتهي بإعادة النظر بجرأة وموضوعية في هذه الأدوار من قبل جميع أطرافنا دون استثناء.
أقول قولي هذا، بعدما تبين الرشد من الغي، وبات بائناً بينونةً كبرى، أن الخيارات قد ضاقت وغابت كما الحول والقوة، ولم يعد أمامنا خيارات جدية سوى التفاوض، وحتى لو كان لدينا كل الخيارات الأخرى فلا بد من الاستمرار في التفاوض، فالطرف الوحيد صاحب المصلحة في وقف التفاوض هو نتنياهو وحكومته وليس نحن، ناهيك أن جميع الأطراف العربية والدولية قاطبةً، متوافقة على ضرورة استمرارنا في التفاوض، ودليلي في ذلك، أننا دفعنا ثمنا باهظا خلال الأربع سنوات من الانقطاع عن المفاوضات، دون أي فائدة تذكر أو أملٍ يُرجى.
نحن ندرك أن الوضع التفاوضي مظلم، بسبب تعنت الطرف الإسرائيلي المندفع بقوة هائلة لتثبيت أقدام الاستيطان على الأرض، وتحديدا الأراضي المصنفة على أنها أراضي دولة، وذلك في سياق تقويض العملية التفاوضية وتقويض مقومات الدولة الفلسطينية المزمعة، الأمر الذي يحتم علينا بذل كل الجهود وزج الامكانيات لتعزيز صمود الناس في الأرض رغم الواقع الأليم على الأرض، جنباً الى جنب مع استمرار العمل على تفنيد وتعرية المفهوم الإسرائيلي للمفاوضات، وتعزيز المفهوم الفلسطيني وتوضيحه للناس وخصوصا للمجتمع الأوروبي والغربي، وهذا الأمر يجب أن يساهم به الكتاب والمفكرون والمسؤولون في مختلف مواقعهم ومسؤولياتهم، باعتبار التفاوض معركة وطنية نضالية حقيقية وليس شأنا فرديا محضا لا دخل للشعب به كما يحاول البعض تصويره، ولكن تحت يافطة وبوصلة الالتزام بالموقف الرسمي الفلسطيني.
نعم يا سادتي، في ضوء كل هذا، فإن علينا أن نستمر في التفاوض في جميع الظروف، مع استمرار جهودنا في تثبيت صمود شعبنا، وفي خلق الحاضنة الشعبية اللازمة لثوابت الموقف الفلسطيني، والاستمرار في عملية بناء وتنمية الاقتصاد والمجتمع الفلسطيني ككل، وبناء مؤسسات الدولة وكأن الدولة ستقوم غداً، آخذين بالاعتبار أن أية حلول لقضيتنا لا بد وأن تشكل نتاجاً حقيقياً لتنمية شاملة ومستدامة تطال كل مكونات المجتمع في شتى المناحي، وهو ما يضع مسألة الاستقرار الاقتصادي في سلم أولويات أي حل.
وسواء كان الغرض الإسرائيلي من هذا التعنت العمل على جرنا كما درجت العادة، لمواقف ومربعات غير محسوبة وتمويت الفرص الممكنة لأي سلام، فإنهم ما زالوا يعملون على كسب الوقت والاستمرار في إدارة الأزمة التفاوضية والاستثمار بها، وهم في كل الأحوال غير جادين في تقديم أي شيء حتى الآن.
يجب أن نتذكر ان من ينسحب عادة، من المفاوضات هو الطرف القوي، الذي يمكن لانسحابه أن يؤثر ويضغط على الطرف الآخر وفي نجاح أو فشل المفاوضات، وليس ذاك الذي يستجيب انسحابه لأهداف خصمه وما يصبو إليه الخصم.
صحيح أن أركان حكومة نتنياهو يريدون أن يستخدموا المفاوضات كأزمة مستمرة، يستثمرون بها وفي إدارتها، من على قاعدة الديمومة في تثبيت حقائق مجحفة ومانعة للحل على الأرض. لكن هذا كله يجب أن يشكل حافزاً قوياً يدفعنا للعمل بجدية وإصرار على الاستمرار ببناء مؤسسات الدولة، والإعداد لكياننا الفلسطيني المستقل في مطلق الظروف دون أي توقف أو حَرَدْ.
فالمفاوضات تعني في ما تعنيه، السعي لمساومة توصلنا لحل توافقي، وبالتالي يكون كل شيء على الطاولة ومطروحا للتفاوض، وهنا يجب أن نكون جاهزين ولدينا البدائل لكل الاحتمالات في المساومة.
من هنا، يجب ترميم وشدشدة الوضع الداخلي أولاً وبشكل عاجل، وتكريس الجهود للتصالح مع الذات الداخلية وتحديداً إعادة اللياقة لمنظمة التحرير ولحركة فتح كحزب حاكم يحمل راية المشروع الوطني، وكذلك جبهة الإعلام الفلسطينية بكل مكوناتها، التي يجب ان تلعب دور المساند الداعم للقيادة وللمفاوض الفلسطيني، وليس دور الناقد السلبي والمهاجم الدائم للدور الفلسطيني بمنطق "عنزة ولو طارت"، كما يتوجب وضع المعارضة الفلسطينية أمام مسؤولياتها الوطنية، مثلما هو حال ودور المعارضة في إسرائيل، التي شكلت على الدوام سنداً دائما للحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، وليس معول هدم كما هو الحال مع بعض الجهات والأطراف الفلسطينية حتى الرسمية منها.
وإذا كان نتنياهو يحرص على الاستفادة من الوقت، من خلال مَطمَطَة المفاوضات وجعلها أزمة دائمة بيننا وبينهم، فلماذا لا نستثمر هذا الوقت من جانبنا في الانصراف للتركيز على تحصين البيت الداخلي، وتعزيز الصمود، والاستمرار في بناء مؤسساتنا واقتصادنا وكأن دولتنا قاب قوسين أو أدنى. فإذا كان معتقلونا في السجون يستثمرون وقتهم الطويل قي الانصراف لتطوير وبناء الذات، سواء من خلال القراءة واكتساب العلم والمعرفة أم من خلال انتاج الأشغال اليدوية وغيرها من الأعمال النافعة، فكيف الحال ونحن أمام مفاوضات متعثرة، وشعب بأكمله ممنوع من الحل والاستقرار يسعى لإقامة وبناء دولته المستقلة.
نعم هذا رأيي، قولوا فيَّ ما شئتم، فعملية التفاوض ماهي إلا عملية بحث عن صيغة حل سياسي بين الطرفين، وسيكون فيها اخذ ورد وشد وجذب، وبالتالي يجب أن نكون في حالة إعداد وحشد دائم وداعم، لا بل ونفير عام كما لو كنا في حالة حرب، إضافة الى تسويق الرؤى والسياسات الفلسطينية وحشد الناس حولها على كل المستويات الرسمية والشعبية، عربيا ودولياً ومحلياً وداخلياً، وذلك من على قاعدة الإقرار بأن كل شيء خاضع للتفاوض والمساومة، فمثلا حق العودة من غير المتوقع عاجلاً أم آجلاً، أن يتم الاتفاق مع الإسرائيليين على تطبيقه بحرفيته 100%، لأن ثمة تعقيدات وعقبات تولدت وفرضت على مَر السنين ستكون له بالمرصاد، ما يجعل أشكال التطبيق والتبادلية السياسية وغير السياسية مع هذا البند أمراً محتملاً جداً، مع الحفاظ على حقنا بالقدر والقيمة والتعويض. وأمام كل رؤية مفترضة من جانبنا، لابد من توقع أسوأ الاحتمالات وتحضير أنفسنا وبدائلنا مسبقاً، إذ سيكون فيها احتمالات ونسب مختلفة من الربح والخسارة. ولعمري إني أرى مشروع التقاسم الوظيفي يطل برأسه من جديد، وخلاف ذلك قولوا فيَّ ما تشاؤون وسنظل في كل وادٍ هائمين، والبعض على الأرائك متكئين، فبِئسَ ما يفعلون.
asefqazmouz@gmail.com