خبر : مخيم اليرموك بين زمنين ...بقلم: حسين حجازي

السبت 18 يناير 2014 10:28 ص / بتوقيت القدس +2GMT





كنا نسافر من بيروت إلى المخيم ببطاقات انتمائنا إلى الفصائل، عبر الطريق البري الذي يخترق المنحدرات الجبلية لسلسلة جبال لبنان الشرقية، التي تصل لبنان ببلاد الشام الأم قبل أن ينفصل لبنان الذي جاء ذكرُه في العهد القديم، كأجمل بقاع الأرض عن سورية قلب بلاد الشام، وموطن الجغرافيا الطبيعية لفكرة القومية العربية.
تقلنا سيارة الأجرة القديمة هنا من منحدر جبل الدروز العرب من بني معروف، وقد تركنا وراءنا بلدة خلدة التي استشهد دفاعاً عنها العقيد عبد الله صيام في معركة خلدة على أبواب بيروت، احد افضل قادة كتائب عرفات. وقد بدأت السيارة تصعد بنا من عرمون صعودا إلى بحمدون، والى عاليه وصوفر حتى تبدو بيروت من هذا المرتفع، وكأنها تسقط في هوة سحيقة. هنا مررنا شتاء إلى قصر آل جنبلاط في "المختارة"، في انتظار الزعيم الشاب لإلقاء التحية على قبر والده الزعيم الكبير كمال جنبلاط. وها هو على مرمى النظر او حجر من "ظهر البيدر" و"الشبانية"، يبدو جبل صنين الذي تغني له فيروز. ولربما هنا من على هذه الحدائق الجبلية المعلقة، ولدت أغنيتها عن ضياع شادي الذي كان يلعب طفلا بالثلج على هذه السفوح الجبلية.
وحينما نترك سلسلة الجبال وراءنا سيبدو البقاع وبلدة "شتورة" أمامنا مثل سهل فسيح ومنبسط، ها نحن نوشك على بلوغ بوابة المصنع التي تفصل الحدود بين لبنان وسورية، وحيث ننعم باستراحة قصيرة في بلدة شتورة لتناول بعض الطعام. وهذه الوجبات السريعة اللذيذة من مطعم على الطريق تعود ملكيته لامرأة ذاع صيتها في سنوات غابرة، كواحدة من اشهر راقصات الزمن القديم في مصر الملكية، وخلدها المخرج المصري الشهير حسن الأمام في واحد من أفلامه الاستعراضية الرائعة، هذه هي السيدة بديعة مصابني.
كان المخيم في ذلك الوقت "جسم احمد"، كتب محمود درويش مرثاته عن مأساة مخيم آخر هو تل الزعتر. "مخيماً ينجب مقاتلين وزعتر". لكن المخيم الذي دخلته أول مرة لم يكن يشبه المخيم الذي تركته على شاطئ البحر لآخر مرة هنا في غزة، ولا المخيمات التي اعتدنا الذهاب اليها بل والسكن فيها أحياناً أخرى، في شاتيلا وصبرا أو برج البراجنة على أطراف بيروت. كان اليرموك يشبه اسمه الكبير يبدو في مساحته وترامي بنيانه المدني الحديث، وشوارعه العريضة كما لو انه مدينة أكثر من كونه بنايات صغيرة متلاصقة، بيوتاً متلاصقة لا يفصل بينها سوى أزقة ضيقة، كما هو الحال في مخيمات بيروت. وذلكم هو الخزان البشري للثورة الفلسطينية المعاصرة، حيث نبدو نحن القادمين إليه من بيروت الجمهورية الثورية، كما لو اننا نأتي اليه من ميدان المعركة الخطوط الأمامية هناك، لتمضية استراحة إجازة محاربين ثم نعود ثانية.
عاتب الرئيس السوري حافظ الأسد ياسر عرفات الخصم اللدود الذي ظل يتصارع معه على ملكية القرار الفلسطيني، في اللقاء التاريخي الذي جرى بينهما غداة خروج الرجلين من بيروت صيف العام 1982. "أولا زلت يا عرفات تتهم سورية فيما جرى في تل الزعتر؟ ولماذا فضلت الذهاب الى اليونان ثم الى تونس بدلا من دمشق؟ "وبحسب الرواية فإن عرفات أجاب الأسد بأن الحكم على ما جرى في تل الزعتر متروك للتاريخ، وقد أردت في مغادرتي إلى اليونان التعبير عن عتبي على أمتي العربية. لكن عرفات كما الأسد اللذين ما كانا يسلمان بما حدث في العام 1982، ظلت عودتهما الى لبنان يمثل الهدف الرئيسي والأولوية لكليهما، وقد تبقى لعرفات شمال لبنان والبقاع كما طرابلس. وبقي للأسد حلفاؤه اللبنانيون الأقوياء، وسوف يعود كلاهما الى لبنان بعد مضي سنة، لينتهى هذا الصراع الأخوي في معركة طرابلس، ثم تتواصل تداعياته في ما سمي "بحرب المخيمات"، قبل أن تلقي انتفاضة الفلسطينيين العام 1987 بظلالها على هذا الصراع وتطفئ جذوته الأخيرة.
هنا بعودة عرفات التاريخية الى فلسطين، سيفقد الخارج الفلسطيني أهميته المحورية، لا في الاستراتيجية التعبوية القتالية الفلسطينية، ولكن بإسدال الستارة على حقبة تاريخية كانت فيها المخيمات الفلسطينية في الأردن كما في لبنان وسورية، هي الخزان الحربي في هذا الصراع المزدوج والمتداخل بين حروب الثورة الفلسطينية مع إسرائيل، وعلى جبهة الأخوة الأعداء. انتهى الأمر.
واذ سيضع الفلسطينيون كل بيضهم وثقلهم في الصراع من داخل فلسطين وجها لوجه مع إسرائيل، فإن المخيمات في أماكن اللجوء سوف يقتصر دورها ومكانتها في تجسيدها المادي لحق العودة، باعتبارها تمثل قضية اللاجئين.
لم يعد المخيم مخيم المرثاة القديمة بعد زمن أغاني المنفى البطولية، جسم احمد ولا دمشق جفون احمد. وبعد الوحدات واليرموك وشاتيلا وبرج البراجنة، سينهض احمد من جديد مثل قيامة المسيح، ولكن هذه المرة في مخيم جنين وجباليا. "وهذا بفضل الانتفاضة"، وضع العنوان لمقالتي مدير تحرير المجلة حسن البطل فوق الصورة التي تظهر الرئيس السوري حافظ الأسد يستقبل ياسر عرفات في قصر المهاجرين بدمشق العام 1988، إيذانا بفتح صفحة جديدة بين الثورة الفلسطينية والعلاقة مع المنفى كقطع استراتيجي مع مرحلة، وهي مرحلة قد يمكن الآن ان نكتب في نهاية ذيلها الطويل، انها برغم كل مآسيها وما يؤخذ عليها، حتى في ذروة الصراعات المنكودة التي شهدتها، حافظت سورية الدولة تحت حكم آل الأسد على تحييد الفلسطينيين في مخيمات اللجوء داخل أراضيها، عن دفع ثمن هذه الخصومة المتواترة. وربما استخدمت حلفاءها في لبنان في أوقات مختلفة لتصفية حساباتها مع القيادة الفلسطينية، وحتى سعت في ظل حكم الأسد الأب إلى بذر الشقاق بين صفوفهم. لكن الفلسطينيين في سورية ظلوا يعاملون من قبل الدول كأفضل معاملة يتلقاها الفلسطينيون في أماكن لجوئهم، أسوة بالمواطنين السوريين انفسهم وبجميع الامتيازات والحقوق التي يحصلون عليها. وحين اغتال الإسرائيليون خليل الوزير (ابو جهاد) في تونس، لم تجد القيادة الفلسطينية مكانا يؤوي مثواه الأخير سوى دمشق، وفضل جورج حبش ان يقضي أيام شيخوخته الأخيرة فيها ويموت، وكذا يواصل نايف حواتمة أمد الله في عمره البقاء فيها. وحينما ضاقت الأرض بخالد مشعل وإخوانه من قادة حماس، وكذا فتحي الشقاقي ورمضان شلح قادة الجهاد الإسلامي كان المخيم يتسع لهم. ومنه في الطريق الذي مررنا به صعودا بين منحدرات جبال لبنان، كان باستطاعتهم جميعا الوصول الى مخيمات لبنان. ومنه انطلق محمود المبحوح لإيصال السلاح الى حماس في غزة.
وهذه كانت القصة قبل ان تتحرك لعبة الأمم لإسقاط وقتل الدولة السورية، وقد قلنا هنا في وقت مبكر ان هذه العملية سوف نكون نحن الفلسطينيين أول من يدفع ثمنها، ودعونا الرئيس ومشعل معا للتحرك مبكرا والإلقاء بورقة قدسية القضية الفلسطينية، لوأد وإفشال هذه اللعبة. ولكن القادة الفلسطينيين لم يفعلوا، حتى صرح أخيرا السيد اسامة حمدان بالحل والمخرج الوحيد، ولكن بعد استفحال أزمة المخيم، بأن على المسلحين ان يسووا وضعهم مع الدولة السورية ويخرجوا من المخيم.
ونعرف الآن ان الخيار الذي واجهه الرئيس السوري كان دقيقا وحرجا، فمن جهة هو لا يريد اللجوء الى العمل العسكري لإخراج المسلحين من المخيم لما للقضية الفلسطينية والمخيم من حساسية، ولكن في الوقت نفسه لا يمكن للدولة القبول بأخذ المخيم كرهينة لإدامة سيطرة المسلحين على هذا الجزء من عاصمته، فكان الحصار هو الخيار في تراجيديا أخرى تعيد استحضار مأساة حصار تل الزعتر، ولكن في المرة الثانية أقرب إلى الكوميديا أو العبثية السوداء. حين يبدو واضحا لنا اليوم وبجلاء التناقض والفارق بين ثورتين وزمنين وبين عصرين، وحيث يعقب غالبا الثورات، الثورات المضادة. ويرفض التاريخ إبقاء المساحات الفارغة، حتى وان كان إملاء الفراغ الذي تركه الثوريون القدامى في المخيم، يتطلب إملاءه بهذه العينة أو النوعية من الثورجية السمجة.