هناك فرق شاسع بين قوة الحق والقوة المادية المطلقة.. نحن الفلسطينيين نعتمد في محادثاتنا مع الجميع على قوة حقنا في هذه الأرض... في الوقت الذي تعتمد فيه إسرائيل على مبدأ القوة المادية المطلقة.. وفي المقدم منها القوة العسكرية؛ كونها الأقوى بلا منازع في منطقة الشرق الأوسط، بل تعد ضمن القوى العالمية، علاوة على قوة الاقتصاد والإعلام. فمعظم وسائل الإعلام العالمية المؤثرة إما مملوكة لأباطرة المال اليهود والحركة الصهيونية أو لمقرّبين وداعمين للحركة الصهيونية وإسرائيل.
ولا شك في أن العالم بما فيه واشنطن لا ينظر كثيراً إلى قوة الحق ومفاهيم العدالة بقدر ما ينظر إلى مفهوم المصالح والقوة المادية بكافة أشكالها... فلا معنى للأخلاق في عالم تسوده نظريات سياسية قائمة بالأساس على بناء القوة العسكرية والاقتصادية.
سلطات الاحتلال تستطيع أن تفرض ما تشاء أو أن تضع العراقيل وتركل كل ما لا ترغب فيه... حتى لو مارست واشنطن قليلاً من الضغوط السياسية أو الاقتصادية على قادة الاحتلال، لأنها تحتمي بقوى مادية متعددة وعميقة ليس من السهل تغييرها.
نتنياهو ليس رابين أو شارون أو حتى شامير، فهو يمتطي صهوة اليمين الأكثر تطرفاً في إسرائيل من أجل الحفاظ على موقعه السياسي... لذا فهو غير قادر بالمطلق على تبني سياسات براغماتية ولو بحدها الأدنى للوصول إلى اتفاق مع الفلسطينيين برعاية أميركية، وهذا ما تؤكده الصحف الإسرائيلية، أيضاً.
وبناء عليه فهو يبحث دائماً عمّا يعرقل أي فرصة لإيجاد تقدم في المسار السياسي... وأبرز مثال على ذلك "يهودية الدولة"، فهو يعلم أن الفلسطينيين لن يقبلوا بالمطلق بيهودية الدولة التي تعني في الأساس نكبة جديدة لمن ظل صامداً على أرضه الفلسطينية في العام 1948.
ولعلّ الإجماع الفلسطيني من أعلى قمة الهرم وحتى آخر مواطن فلسطيني حول هذه القضية هو الذي يزيد إصرار نتنياهو واليمين الإسرائيلي على تبنيها؛ لجعلها "مسمار جحا" في طريق المفاوضات.
ومن بين طروحات نتنياهو الجديدة أن تصبح "بيت إيل" كتلة استيطانية رابعة إضافة إلى الكتل الاستيطانية الثلاث في الضفة الغربية والتي تمزق أوصال الجغرافيا الفلسطينية.
تصوّروا كيف ستكون شبكة الطرق والمواصلات بين هذه الكتل الاستيطانية، وكيف ستمر في دولة فلسطينية من المفترض أن تكون مستقلة، ولها سيطرة كاملة على أراضيها؟... أما الكتلة الاستيطانية الخامسة التي يرغب نتنياهو في إضافتها فهي كتلة "كريات أربع" والبلدة القديمة من الخليل امتداداً إلى حي "تل الرميدة" الذي تجري فيه الآن حفريات إسرائيلية تحت ادعاءات واهية.
إذن يهودية الدولة، وزيادة عدد الكتل الاستيطانية، والإبقاء على الأغوار، والتأكيد على إلغاء تام لحق العودة بحيث وصل الشطط الإسرائيلي في هذه القضية إلى حد القول إنه لن يسمح حتى للاجئ واحد بالعودة إلى (إسرائيل).
وأمام هذه المعطيات، فإن آفاق نجاح المسيرة السياسية تبدو أبعد مما يتصور البعض... ولهذا فإن أي فشل قادم في الأساس ناجم عن العبقرية الإسرائيلية في اختراع المعيق تلو الآخر... وهي في الوقت نفسه تراهن على أن يأتي الرفض من الفلسطينيين لتحميلهم وزر مسيرة لا يملكون فيها سوى قوة الحق... ويفتقدون فيها بشكل كامل للقوة المادية في ظل المتغيرات العربية الراهنة... والتحولات التي ربما تحتاج إلى سنوات قبل استقرار حقيقي، لتعود القضية الفلسطينية إلى موقعها السابق.
abnajjarquds@gmail.com


