خبر : ولكنه انعدام البصيرة..!! ... بقلم: محمد ياغي

الجمعة 17 يناير 2014 07:55 م / بتوقيت القدس +2GMT



القول بأن الثورة التونسية هي ملهمة الشعوب العربية للمطالبة بحقوقها وكرامتها هو الحقيقة بعينها، لكن الثورة المصرية هي التي كرست الشعور لدى مئات الملايين من العرب بالقدرة على التغيير. لذلك تتناسب حالة الإحباط العامة في أوساط الشباب العربي، بمقدار حجم فشل الثورة في مصر..في لحظة اعتقد هذا الشباب أن لَيلَه الطويل قد انتهى، ليكتشف لاحقاً بأن الشمس لم تستيقظ بعد من نومها وأن الليل قد ازداد حلكة.
لم يكن قدراً. لكنه الغباء المطلق من "الإخوان"!
في الفترة الممتدة بين 2-11 شباط 2011، كرر الإخوان بأنهم زاهدون في السلطة عشرات المرات، وأقسموا الأيمان الغليظة بأنهم لن يرشحوا أحداً للرئاسة ولن يعملوا على الحصول على أكثر من 30% من مقاعد مجلس الشعب، لكنهم لم يلتزموا بأي من وعودهم واكتسحوا مجلس الشعب ومعه الرئاسة!
في الفترة الممتدة بين 12 شباط 2011 ونهاية آذار 2012، لم يقم الإخوان بأكثر من التحالف مع المجلس العسكري على حساب القوى التي قامت بالثورة وأنجحتها. أيدوا المجلس العسكري في ملاحقته لمؤسسات المجتمع المدني وخاضوا معه حملة الابتذال بأنها مؤسسات ممولة أجنبياً، ولم يدخروا جهداً في استغلال كل ما يضعف معسكر الثورة من الصمت على القمع الممنهج لقوى شباب الثورة الى الطعن بهم أحياناً بدوافع أنهم ضد الاستقرار وضد عملية التحول الديمقراطي وحتى بأنهم "يسكرون ويحششون" في اعتصاماتهم.
عندما أدركوا بأن فرصة الدكتور مرسي بالنجاح تكاد تكون معدومة أمام شفيق بدون العودة لمعسكر الثورة، قدموا الوعود بأن الدستور سيكون توافقياً، وأن نواب الرئيس الذين سترشحهم القوى الثورية سيكون لهم صلاحيات واضحة.. لكنهم لم يلتزموا بشيء.
الأسوأ أن الإخوان قدموا كل التنازلات لمن انقلب عليهم ويطاردهم اليوم في كل مكان. الإخوان قدموا التنازلات للجيش في دستورهم وحصنوه.. قدموا التنازلات لحزب النور السلفي في معظم طلباته المتعلقة بإقحام "الدين" بشكل غير مبرر في الدستور.. أشادوا بأداء الشرطة وبدورها في "حماية" المصريين (الشرطة التي انتفض المصريون ضدها).. أرسلوا العديد من التطمينات لإسرائيل.. بذلوا كل جهدهم لإرضاء السعودية بما في ذلك التحريض الطائفي الرخيص على "الشيعة" بحضور الرئيس محمد مرسي، والتحريض على استمرار "حمام" الدم في سورية.
لقد قام الإخوان بفعل كل شيء للاحتفاظ بالسلطة.. لكنهم لم يقوموا بفعل الشيء المنطقي الوحيد بعد الثورة وهو: الحفاظ على وحدة القوى الثورية حتى استكمال مهامها باقتلاع النظام القديم من الدولة وتحقيق العدالة الاجتماعية أو على الأقل تعبيد الطريق من أجلها.
هل كان "الكذب" على معسكر الثورة قدراً أم سياسة؟
هل كان الارتماء في حضن الدولة القديمة وحزب النور قدراً أم سياسة؟
لقد كانت سياسة.. لكنها كانت سياسة "غبية" جعلتهم يتوهمون بأنهم بعد أن قدموا كل شيء لخصومهم الأقوياء في النظام القديم، يمكنهم النوم دون "قلق".. لهذا، حتى عندما اشتدت الحملة في الشارع ضدهم بعد الإعلان الدستوري الذي أعطى فيه الرئيس لنفسه صلاحيات التشريع، وحتى بعد مقتل العشرات أمام قصر الاتحادية وفي الإسماعيلية، لم يدركوا بأن شيئاً ما قد تغير، وأن عليهم أن يعدلوا من سياساتهم الغبية.. وكان ما كان يوم 3 يوليو.
لم يكن قدراً. لكنه انعدام البصيرة عند قوى الثورة!
أن تتظاهر من أجل فرض استفتاء من أجل انتخابات رئاسية مبكرة شيء، وأن تقف مع انقلاب عسكري ضد نظام منتخب هو شيء مختلف تماما. الاول يجسد قوة الشارع على التغيير عندما يكون مسار التغيير الطبيعي عبر المؤسسات مغلقاً. الثاني لا ينسجم مع شعار "الحرية" التي تنادي به قوى الثورة، والأهم أنه أيضاً يجردها من القدرة على تحريك الشارع مرة أخرى للتغيير.
لم تخطئ قوى الثورة في التظاهر من أجل فرض التغيير بعد أن أصم الإخوان آذانهم لكنهم أخطؤوا في التحالف مع قوى ثاروا هم عليها يوم 25 يناير.. واخطؤوا أكثر عندما اعتقدوا بأن المؤسسة العسكرية تقف الى جانبهم وهم كانوا أول المطالبين بإقصائها عن السلطة.. وأخطؤوا أكثر وأكثر عندما لم يتحركوا ضد عمليات قتل لم تعرفها مصر على الأقل منذ بداية القرن الماضي.
لم يكن قدراً. لكنه انعدام الإيمان بالثورة من جانب الإخوان!
الإخوان لم يؤمنوا بأن ما جرى يوم 25 يناير هو ثورة لذلك لم يتصرفوا وفق قوانينها. لقد دخلوا في مساومات مع النظام قبل سقوطه.. وصدقوا بأن اتصالاتهم مع الجيش هي التي رجحت كفة تخليه عن مبارك ورحيله.. لم يروا بأن حركة الشارع، وقد كانوا جزءا أساسيا منها منذ 28 يناير، هي التي حددت خيارات الجيش يوم 11 فبراير. لذلك تصرفوا بعد رحيل مبارك وفق قناعاتهم: الجيش هو من يحكم وبالتالي يمكن عقد صفقة أو صفقات معه. وكان ما كان!
لم يكن قدراً. لكنه غياب البديل لدى قوى الثورة!
القوى الثورية لم تصدق بأنها تمكنت من إسقاط مبارك وهي التي نزلت يوم 25 يناير للتظاهر وكان نشطاؤها يعتقدون بأنهم سيقضون ليلتهم تلك في سجون حبيب العادلي. عندما سقط مبارك وحل الجيش محله، لم تصدق أنها تمكنت من تحقيق أهم مطالبها، رحيل مبارك، ولأنها لم تعتقد منذ البداية بأنها قادرة على التغيير، لم يكن لديها البديل الجاهز لاستلام السلطة أو لفرضه باستمرار الثورة. عندما استلم الجيش السلطة.. بعضهم رأوا فيه حلاً مقبولاً.. وبعضهم رأوا فيه انقلابا.. وبعضهم الآخر حاول طرح مجلس مدني. واكتفوا جميعاً بمشاعر الفرح، والأمل بأن الغد سيكون أفضل وأجمل.
لكنهم جميعاً لم يروا سقوط النظام.. لهذا لم يروا مشكلتهم الحقيقية وهي غياب بديلهم الثوري للحكم.