قرأت قبل عدة أيام خبراً أثار فرحي للوهلة الأولى، فقد صرح وزير المالية د. شكري بشارة بأن الحكومة في الأشهر الستة الماضية التي هي عمر الحكومة قبل شهر كانون الأول الماضي، استطاعت تقليص الدين العام من 4.8 مليار إلى 4.4 مليار دولار، وهذا قيل في جلسة عقدها المجلس التشريعي لمناقشة استراتيجية الوزارة ومشروع الموازنة العامة للسلطة في العام 2014.
مما يعني أن الحكومة نجحت في تقليص الديون بمقدار 400 مليون دولار. وهذا شيء عظيم لو كان حقيقياً، ولكن للأسف أرقام وزارة المالية المنشورة على صفحة الوزارة الإلكترونية والتي تتحدث عن الفترة الواقعة بين شهري حزيران وتشرين الثاني2013، آخر معطيات واردة، تشير إلى عكس ذلك تماماً، فهي تشير إلى ازدياد تراكمي في الدين العام بمقدار 498 مليون دولار، والسؤال هو كيف يمكن أن يحدث هذا؟
لا أحد يشكك في رغبة الحكومة أو وزير المالية في رؤية انتعاش اقتصادي، وفي زيادة الإيرادات وتقلص الدين العام مع أن وجود دين عام أو عجز في الموازنة ليس عيباً طالما لا يكون العجز يشكل نسبة كبيرة جداً من الدخل القومي، ولدينا والحمد لله لا يتجاوز الدين العام 38% والعجز يستخدم بصورة متعمدة من قبل الدول لضخ الأموال في السوق وتعزيز عجلة الإنتاج.
ولكن التدقيق في البيانات والمعطيات القائمة مسألة في غاية الأهمية حتى لا تقوم الحكومة بزرع الوهم لدى المواطنين وتحصد هي ثماره المرة لاحقاً. هناك دول مانحة تتأخر في تسديد التزاماتها وهذا يفرض على الحكومة اللجوء للقروض والديون كما حصل بصورة مناقضة مع وزارة المالية مؤخراً عندما اقترضت 70 مليون دولار من البنك العربي لتسديد مستحقات القطاع الخاص بعد يوم واحد من تصريحات وزير المالية بعدم اللجوء إلى البنوك. ومن الواضح أن شهوراً عصيبة ستمر بها السلطة إذا لم تنجح العملية السياسية وإذا لم يتم التوصل إلى اتفاق مع الإسرائيليين. وأخطر ما في الموضوع هو لجوء بعض الدول المانحة لتأجيل دفع المنح إلى ما بعد شهر أيار حتى نهاية الفترة المقررة للمفاوضات، وهذا ستكون له آثار سلبية جداً على الاقتصاد الفلسطيني.
جميل أن تتحدث الحكومة عن خطة واستراتيجية لزيادة الإيرادات، وهذا بدون شك سيكون إنجازاً مهماً لو تم فعلاً صياغة وتطبيق استراتيجية من هذا النوع، ونجحت في زيادة الإيرادات بصورة ملموسة. وهنا لا بد من التحذير بعدم التسرع في إجراء تغييرات على قانون ضريبة الدخل وتخفيض الضريبة على أصحاب رؤوس الأموال والشركات الكبرى بحجة أنهم يتهربون من الضرائب لأنها تصل إلى 20%، وهناك من يريد إرجاعها إلى 15% كما كانت قبل اتخاذ قرار بزيادتها لتوزيع العبء ولزيادة مساهمة القطاع الخاص في الناتج القومي.
كما أنه لا تزال هناك مشكلة في قانون تشجيع الاستثمار لأنه يعفي شركات كبرى من الضرائب إذا فتحت خط إنتاج جديدا، والأولى هو إعفاء الخط الجديد وليس الشركة.
صحيح أن إسرائيل تتحمل مسؤولية عظمى في التأثير على نمو الاقتصاد الفلسطيني، فهي بسيطرتها على مناطق (ج) والمعابر وعلى تفاصيل الحياة الفلسطينية تعيق تطور الاقتصاد وتمنع الشعب الفلسطيني من استثمار موارده، وتمنع السلطة من الاتجار بصورة حرة مع المحيط العربي والعالم الخارجي، وتبقي اقتصادنا رهينة للاقتصاد الإسرائيلي، ولكن هذا لا يقلل من حجم المسؤولية الملقاة على السلطة لزيادة الإيرادات وتخفيف العبء عن المواطن.
ومن الأشياء التي تزيد العبء على المواطن وعلى السلطة في آن واحد وجود احتكارات كبرى في السوق الفلسطينية لسلع كثيرة، وخاصة الاستهلاكية منها. فسوقنا مسيطر عليها من قبل عدد محدود من التجار ولا يسمح فيه بأي حال التعامل مع فوائد السوق الحرة وخاصة في حال انخفاض الأسعار. فمثلاً في البورصة العالمية تنخفض أسعار السكر والدقيق والمنتجات الغذائية المستوردة، ولكنها لا تنخفض لدينا، ولا يذكر أحد مرة انخفاض سعر سلعة أساسية بصورة ملموسة أو حتى رمزية، الأسعار لدينا ترتفع كما في مقياس الحرارة (التيرمومتر الزئبقي) الذي يرتفع بالحرارة ولا ينخفض، وهذا يعود لتحكم تجار معينين في السوق، والاحتكار يساوي الفساد من جهة ويثقل على كاهل المواطن الذي تزداد الاعباء عليه ويتوجه إلى الحكومة التي في نهاية المطاف تدفع الثمن.
لقد صدر عن الحكومة السابقة قرار بإلغاء الوكالات الحصرية، ولكن هذا القرار لم يطبق سوى على جزء ضئيل جداً من الواردات التي تأتي من إسرائيل، وبقيت السوق على حالها محتكرة تماماً، والسؤال أين الحكومة من هذا؟! إن إلغاء الاحتكارات وفتح السوق للمنافسة يخدم المواطن الذي يحصل على أجود الخدمات والبضائع بأقل الأسعار.
باعتقادنا من المفروض النظر في الكثير من الأنظمة والقوانين التي تنظم علاقة السوق ورأس المال مع السلطة والمواطن، والبحث عن تعزيز كل ما يجلب زيادة في الناتج القومي وفي التخفيف عن المواطن والحكومة.


