كل الوقائع تؤكد بما لا يدعو للشك، أن العام 2013 كان كارثياً بامتياز على عدد من دول وشعوب العالم، لكنه بالتأكيد كان صعباً على منطقة الشرق الأوسط وعلى الكثير من الدول العربية، التي تعرضت لتغييرات متنوعة في أنظمتها وبنيتها السياسية.
هذه التغييرات انعكست بطبيعة الحال على أهل الوطن العربي، ذلك أن دولاً انزلقت إلى مربع الدول الفاشلة، وأخرى تعرضت لزلزال سياسي أدى إلى الإطاحة بأنظمتها، فضلاً عن الصراع الداخلي والانقسامات المستندة على أسس سياسية مناصبية وطائفية وأهلية وقبلية، أكلت معها الأخضر واليابس.
من الصعب تقديم جردة حساب مفصلة للعام 2013 على عالمنا العربي، خصوصاً وأن الحديث يتسع هنا لكتابة صفحات عن كم المعاناة التي يدفع ثمنها في الأساس الناس والمواطنون، فهم أكثر من ضحى وعانى من سطوة بعض الأنظمة الاستبدادية العربية التي ولّت وتركت ساحة الصراع الداخلي مشتعلة.
والحال أن معظم الدول العربية إما طالها الربيع العربي، أو أنها تعرضت لارتدادات لاحقة أثرت على بنيتها السياسية والداخلية، إلى جانب فتح سيناريوهات كانت محظورة من قبل، تتعلق بالتعرض إلى وحدة وسلامة بعض تلك الدول واحتمال تفتتها الجغرافي وخضوعها لأكثر من سلطة.
سورية كانت من أكثر الدول عرضةً للتهديد وعدم الاستقرار السياسي، إذ هي في نزاع استمر لأكثر من ثلاثة أعوام، يعاني هذا البلد اليوم من أوضاع سياسية واقتصادية واجتماعية صعبة للغاية، والأهم أن الأمل في توقف النزاع ضئيل جداً، قياساً بعدد الداخلين واللاعبين في هذا البلد.
أمر سورية حقيقةً مرهون للقوى الدولية الكبيرة، وتحديداً لكل من الولايات المتحدة الأميركية وروسيا، حتى أن الحديث بدأ يتنامى عن عودة الحرب الباردة واتساع نطاقها في الشرق الأوسط، لكن بحلة جديدة تقوم على تغير في شكل النظام الدولي يسمح بمنافسة دولية تتعدى هيمنة هاتين الدولتين.
ولعل غياب التوافق الدولي يعني بالضرورة استمرار النزاع في سورية، خصوصاً بين النظام الذي يلقى دعماً مهماً من قبل روسيا وإيران وحزب الله، وبين المعارضة المتشتتة التي يبدو أنها أصبحت تتنافس فيما بينها لتحديد مستقبل وهوية سورية في حال أُقصي النظام عن السلطة.
ولأن المعارضة مشتتة وأغلبها توجهه إسلامي متطرف، فإن الدعم الذي تلقاه من واشنطن وحلفائها لم يعد كما كان، الأمر الذي يعني أن مؤتمر جنيف 2 في حال انعقاده، مفتوح على خيار بقاء السلطة القائمة، وهناك دول غربية كثيرة لم تخف موقفها الذي يقول إن بقاء نظام الأسد أهون من سيطرة الجماعات الإسلامية المتطرفة على الحكم في البلاد.
المحصلة أن سورية لم تعد ولن تعود كما كانت، فقد تم إزاحتها عن الفعل والتأثير العربي، على حساب إقواء إسرائيل وضمان تفوقها العسكري في الشرق الأوسط، إلى جانب أن سورية عانت وتعاني الكثير من الفظائع والكوارث الإنسانية، وإذا ما توقف النزاع يوماً، فإنها ستبقى منشغلة في معالجة وتسوية شؤونها الداخلية والانصراف عن ممارسة السياسة الخارجية.
مصر أم الدنيا والحصن الأكبر والأهم في منطقتنا العربية، تتعرض لضربات موجعة في وضعها ومكانتها على النظامين العربي والدولي، وبعد أن أطاح العسكر بحكم الإخوان المسلمين، يجري الآن دفع البلاد في مواجهات دموية يدفع ضحيتها أولاً وأخيراً الشعب المصري.
ولا يبدو في الأفق أن المعركة ستنتهي قريباً، لأن الإخوان ينظرون إلى المؤسسة العسكرية على أنها صادرت حقهم الديمقراطي في ممارسة السلطة، في حين تعتبر الثانية أنها قامت بتصحيح الثورة، وهنا سيكون الناس وقوداً لهذا الانقسام الذي وضع البلاد في انشغالات داخلية أضعفت مناعتها وأثرت بقوة على فعلها وتأثيرها الخارجي.
والخوف من الغد حقيقةً، خصوصاً بعد أن بدأنا نسمع عن التفجيرات المتتالية التي تتعرض لها مصر، والتي لم تكن تواجه أبداً مثل هذا النوع من الممارسات والعمليات في السابق، وهو الذي يعني بالتأكيد خضوعها لهزات سياسية اقتصادية اجتماعية تحتاج إلى زمن طويل حتى تتعافى منها.
وليس العراق بعيداً عن التفجيرات التي تضرب هيبة البلد وتشل حركته ووحدته، ذلك أنه من أكثر البلدان العربية تعرضاً لهجمات تفجيرية وانتحارية، وهو على "كف عفريت" شأنه بذلك شأن ليبيا واليمن، والأهم أن العراق تعرض لاحتلال أميركي أعاده إلى الوراء ربما مئات السنين.
ثم إنه لا يوجد استقرار سياسي في البلاد، وهناك فراغ أمني ربما سيؤدي إلى الإطاحة بالسلطة الحاكمة، هذا إلى جانب الصراع الطائفي المشتعل منذ الاحتلال الأميركي للعراق، والذي من شأنه أن يضع البلاد على خارطة التهديد الفعلي لوحدة وسلامة أراضيه.
أما ليبيا فأقل ما يمكن القول إنها على طريق الدولة الفاشلة بامتياز، في ظل ضعف المستوى السياسي، وسيطرة فصائل وجماعات قبلية على مناطق حيوية ومهمة تعتبر العمود الفقري للاقتصاد الليبي، إلى جانب زيادة النزعات الانفصالية وما حدث مؤخراً من إعلان الفيدرالية في منطقة برقة.
والحال في تونس صعب أيضاً، ولا يبدو أن هناك حلولاً منطقية لوقف الخلاف والشقاق بين حركة النهضة وباقي أطراف المعارضة، ومع أن المشاورات انطلقت منذ مدة لا بأس بها، لتشكيل حكومة تلبي كافة الأطراف، إلا أنه لم يتم تحقيق توافق يؤدي إلى اتفاق مرحب به جماعياً.
وليست بعيدة الجزائر عن حالة القلق التي تسود الوطن العربي، خصوصاً حين يجري الحديث عن نية الرئيس بوتفليقة إلى إعادة ترشيح نفسه في الانتخابات المقبلة، أو استمرار توليه منصب الرئيس إلى عامين آخرين، في الوقت الذي يعاني فيه من أمراض صحية خطيرة.
وفي اليمن التي تعاني من تدهور اقتصادي صعب، تكثر التفجيرات في هذا البلد، وما يزال الأميركيون وعبر طائراتهم بدون طيار، يلاحقون عناصر القاعدة هناك، إلى جانب عدم الاستقرار السياسي في البلاد ومطلب الجنوب بالانفصال عن الشمال.
السودان التي طالها التقسيم وتشكيل دولة في الجنوب، تواجه أزمة خطيرة ومشكلات عميقة، فعلاقة دولة الجنوب مع الشمال مثل علاقة الرجل بطليقته، واليوم هناك مشكلات في دولة الشمال ومشكلات جديدة في دولة الجنوب، راح ضحيتها آلاف السكان.
الحديث الآن يجري عن صراع سياسي قبلي بين الرئيس سيلفا كير المدعوم من قبيلة الدينكا، ونائبه المُقال ريك مشار المدعوم هو الآخر من قبيلة النوير، ويبدو أننا أمام سيناريوهات كثيرة، فإما أن هناك تسوية ستحدث لتجنب هذا الصراع الشرس، أو أن البلاد ستتعرض لتقسيم على غرار ما حدث للسودان، أو أن الصراع سيبقى قائماً وسيتوسع وتصبح الحرب الأهلية وقوداً له.
هذه هي حال الكثير من الدول العربية التي تعاني من قائمة طويلة عريضة من حروب ومشكلات سياسية وطائفية وأهلية، دون أن ننسى ما يحدث في فلسطين ولبنان وغيرها من الدول الأخرى، ومن المستبعد أن يمتلك أي بلد عصا سحرية للعودة السريعة إلى الاستقرار، الأمر الذي يعني أننا أمام المزيد من الوقت والجهد حتى ننعم بالحد الأدنى من السكينة والسلمين الأمني والأهلي.
Hokal79@hotmail.com


