خبر : عن "الهوية" و"المواطنة" في الثورات العربية!! ...بقلم: محمد ياغي

الجمعة 13 ديسمبر 2013 10:29 ص / بتوقيت القدس +2GMT



نُسِبَ نجاح الثورات العربية إلى جيل من الشباب تمكن في لحظة ما من تجاوز عقدتي "الهوية" و"الخوف" التي أطالت من عمر أنظمة الاستبداد وجعلت من مقولة "الاستثناء الشرقي" أو "الاستثناء الإسلامي" أحد أهم المقولات التي تبرر غياب الديمقراطية في العالم العربي. لكن خروج الملايين من الشباب العربي من المحيط الى الخليج للمطالبة بالحرية والعدالة الاجتماعية أسقط هذا "الاستثناء".

للوهلة الأولى ظهر كما لو أن الشباب العربي قد تجاوز فعلياً مشكلة "الهوية" التي جيرتها أنظمة الاستبداد لحسابها بهدف تكريس حالة من الانقسام العمودي في المجتمع تمكنها من الظهور كوسيط مقبول على مجتمع "متعدد الهويات" سيعمل على نَحرْ نفسه في غيابها.
إخافة المسيحيين من المسلمين، وإخافة السنة من الشيعة، وإخافة الليبراليين من الإسلاميين، وغيرها من "فنون البقاء" هي سياسات مارسها النظام العربي الرسمي بالتزامن مع القمع "الموجه" لإبقاء القوى الفاعلة والقادرة على الحشد والتغيير ممزقة.
نجحت هذه السياسات لعشرات السنين.. لكن في لحظة تاريخية لم يتوقعها النظام الرسمي ولم تتوقعها أجهزة الاستخبارات العالمية، حدثت المفارقة المعجزة.. ظهر كما لو أن الشعوب العربية قد تغلبت على مخاوفها من نفسها، وعلى مخاوفها من أجهزة القمع الرسمية، وحدث الانفجار الذي أطاح بداية بالرئيس التونسي وبعده المصري، وكان من الممكن أن يشمل "الطوفان" دولاً عديدة أخرى، لكن عوامل الاحتواء تسارعت وحدث التدخل العسكري في ليبيا، وبعده في البحرين وسورية، ورافق ذلك كله حملة "مسعورة" لجعل صراع "الهوية" مركز وجوهر صراع المرحلة.
لم تجرِ فقط خسارة ليبيا واليمن وسورية والبحرين ضمن حملة الثورة المضادة التي سخرت أموال النفط لها، ولكنا شاهدنا ولا زلنا، صراعاً محتدماً بين الإسلاميين والليبراليين في تونس ومصر، قد تكون نتيجتها سقوط تونس من قائمة دول الربيع كما سقطت مصر منها.
كيف تمكن الشباب العربي من تجاوز إشكالية الهوية في لحظة ما، وعاد إليها بعدها بعدها؟
يبدو لي بأن الجواب هو أن الشباب العربي لم يتخلص منها أصلا، وأن اللحظة التي قيل عنها بأن الشباب قد توحد وتمكن خلالها من إسقاط نظامين (التونسي والمصري) لم تكن أكثر من حالة اتفاق على إسقاط النظامين لكن ما يتعلق بمضمون "المواطنة" كهوية جامعة وكبديل للهويات الفرعية التي يحملها الشباب العربي، لم تكن محل إجماع.
شعارات الحرية والعدالة الاجتماعية بعموميتها هي محل إجماع ولا يمكن لأي طرف الادعاء بأنه يقف ضدهما، لكن عندما يتم الحديث عن معنى الحرية والعدالة، فإن "القوى الفاعلة" في الثورات تعود لأدبياتها، لهوياتها الفكرية لتقديم تعريف لها.
الحرية عند الإسلاميين تختلف عن تلك التي يفهمها ويريدها الليبراليون.. والعدالة الاجتماعية عند الماركسيين تختلف عن العدالة الاجتماعية عند الليبراليين أنصار الاقتصاد الحر..وعند الإسلاميين، الإسلام دين الدولة ومصدر التشريع الرئيسي، وللمسيحيين واليهود الحق بممارسة شعائرهم والاحتكام لدينهم.. وعند الليبراليين الدين علاقة خاصة بين الفرد وربه لا دخل للبشر فيها وعلى الإسلاميين أن يتخلوا عن محاولاتهم دسترة أفكارهم وأن يحتفظوا بها لأنفسهم.
الجدل قد يبدو بعيداً عن "المواطنة"، لكنه حقيقة في قلبها، لأن فكرة "المواطنة" تقوم على مساواة الأفراد ببعضهم بصرف النظر عن معتقداتهم.. لكن الجدل يكشف أيضاً إشكالية صراع الهوية الذي لا يزال ينخر المجتمعات العربية ويعري نخبها أكثر وأكثر.
هل يوجد حل للخروج من إشكالية "الهوية" التي تمزق العالم العربي والقبول بفكرة "المواطنة" كهوية جامعة؟
يبدو لي بأن هنالك مراحل لا يمكن القفز عنها..
أولاً، لن يتمكن أنصار المواطنة من الانتصار ما لم يقدموا الاجتماعي- السياسي على "الهووي".. بمعنى أن عليهم أن يدركوا بأن الجماهير التي أطاحت بأنظمة الاستبداد (تونس ومصر) لم تفعل ذلك من أجل تكريم شرائح ليبرالية من الطبقة الوسطى، وإنما قامت به من أجل الخروج من الاجتماعية- السياسية (حالتي الفقر وانعدام الحريات) التي تسببت بها الأنظمة السابقة.. لا مواطنة بدون مساواة، ولا يمكن كسب ثقة الجمهور بدون احترام أولوياته.
ثانيا، لا بديل عن التدرج، وعن الامتناع عن حرق المراحل.. القبول بفكرة التبادل السلمي للسلطة وفي ترسيخ هذا المفهوم كثقافة شعبية، هو المقدمة الطبيعية لتكريس فكرة المواطنة. كيف يمكن "للمواطنة" أن تصبح هوية جامعة إن لم يشعر الفرد بقدرته ومن خلال صوته فقط بأنه قادر على التغيير. المواطنة في جوهرها هي تمكين الفرد من حقوقه، وأبسط حقوقه هو أن يختار بإرادته الحرة من يحكمه.
ثالثاً، لن يتغير الإسلاميون -وهم أصحاب مدارس في الإسلام على أية حال ولا يمثلون بالضرورة "صحيح الإسلام" إلا إذا شعروا بابتعاد الناس عنهم.. ولن تبتعد الناس عنهم إذا استمر شعور الجمهور بأنهم "مظلومون." حتى يتحول الدين الى علاقة خاصة بين الفرد وربه لا دخل لأحد فيها، يجب أن يكتشف الناس معنى الحكم "الديني" على طريقة إسلاميي اليوم لأنه يقع بين فهم متقدم يقترب من الفكر الليبرالي على طريقة تركيا وبين فهم متخلف يقترب من حكم الكنيسة في القرون الوسطى على طريقة طالبان-أفغانستان.
المسألة هنا مسألة وقت وتجربة إنسانية، وهي عوامل لا يمكن تجاوزها بقوتي "الاحتجاج" و"الإقناع" لأن لها سياقا تاريخيا يجب أن تمر فيه.