خبر : "اوسلو" انتصارنا وانكسارنا وصمودنا وانهيارنا...! ...بقلم: أكرم عطا الله

الأحد 15 سبتمبر 2013 10:53 ص / بتوقيت القدس +2GMT
"اوسلو" انتصارنا وانكسارنا وصمودنا وانهيارنا...! ...بقلم: أكرم عطا الله



بعد خمس قرن على توقيعه ما زالت محاكمات التاريخ منعقدة لإصدار الأحكام على اتفاق أوسلو الذي مثل أكبر تحول في تاريخ الثورة الفلسطينية المعاصرة ولا زال الجدل صاخباً بين تيارين أحدهما يعتبره مساراً طبيعيا في سياق الأحداث والآخر يعتبره سقطة التاريخ ووصمته التي لا بد من التخلص منها، فهل هو جيد أم سيئ ؟ هل كان "اوسلو" مسارا طبيعيا للسياسة أم تنازلا مفاجئا؟ هكذا هي الأسئلة التي تعود تتكرر مع كل ذكرى لذلك الاتفاق ويعزز تلك التساؤلات حالة الطلاق والاصطفاف في السياسة الفلسطينية لتصدر الأحكام على نمط أبيض وأسود.

لكن ليس هناك مطلق في السياسة وهي لا تعرف الأحكام القطعية وليس هناك في الوقوف على طرفي الأبيض والأسود ما يصلح دائما لإصدار الأحكام في علم سمته الدائمة تغير الألوان، وهي لا تحسب بقوانين الرياضيات الجامدة بل تحسب بالكيمياء لأن التفاعل الدائم لعناصر التاريخ والجغرافيا والاقتصاد والقوة والسلاح والمال والإقليم والموازين هو ميزتها الرئيسية وتلك لا تتوقف عند حدود.
ربما أن الصورة التي نقلت عن الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات في مكتبه الصغير بتونس هي أفضل ما يمكن أن يصلح للحكم على ما جرى منذ عقدين، فقد أجرى القائد الفلسطيني قبيل الاتفاقية آنذاك سلسلة مشاورات مع كبار المثقفين والمفكرين الفلسطينيين والعرب للاستماع إليهم وأخذ نصائحهم وكان من بينهم الكاتب المصري الكبير محمد حسنين هيكل الذي فوجئ باستدعائه على عجل، وبعد أن قال ما لديه رسم في كتابه "سلام الأوهام" رد فعل الزعيم عرفات قائلا أنه لم يرى القائد الحاسم دائما على هذه الصورة من الاضطراب والارتباك التي رآها وهو يجهز نفسه للحدث السياسي الأهم، مرة يقول لا .. لن أوقع على التنازل عن فلسطين ومرة يعود ليقول نعم سأذهب لحماية قضيتي من الاندثار سأضعها على مسرح التاريخ مرة أخرى وسنبدأ مشوارا جديدا نحو الوطن ولن اترك الفرصة فأنا مسؤول عن شعب.
لقد جسد ياسر عرفات بشخصه ورمزيته شخص القضية ورمزيتها حتى تجاه الحكم على "اوسلو"، وليس هناك أصدق تعبيرا من تلك الصورة، لهذا فإن استسهال إصدار الحكم هو قراءة سطحية للسياسة بعيدا عن القراءة المتأنية والغوص في دهاليزها، ففي السياسة ليس هناك جيد أم سيئ، بل هناك اللحظة التاريخية ومحاكمتها وفقا لظروفها التي أنتجتها، وليس هناك وجه واحد للرواية وكل ظاهرة تحمل نقيضها تماما، وحتى القنبلتان النوويتان اللتان ألقيتا على اليابان لتعلن إنهاء الحرب العالمية الثانية هما من كسرتا غرور العسكرتاريا اليابانية ليكون ذلك السبب الرئيسي نحو اتجاه اليابان للتصنيع المدني فتتربع على عرش التكنولوجيا ولتسبق من ألقى تلك القنابل.
"اوسلو" ضرورة التاريخ وكل الاتفاقيات التي وقعت على امتداد صراعاته هي انعكاس لموازين القوى ولا يصلح أن نحاكمه على نمط جيد أم سيئ، فأحيانا كثيرة تكون مسارات التاريخ هي محطات اضطرارية وتحمل وجهين حين تخضع لمحاكمة عادلة، وإذا كان صاحب التوقيع الأبرز ارتبك وهو يصدر حكمه على المسار كيف يستسهل الآخرون إصدار أحكامهم بهذه البساطة، فالاتفاق جيد وسيئ رمادي اللون قد تجد فيه الأبيض وأيضا الأسود وهو انتصارنا وانكسارنا، انتصارنا على هزيمة تواطأت كل قوى الشر لإبادتنا نهائيا، وانكسارنا أمام تلك القوى التي حالت دون نجاح كفاحنا، "أوسلو" هو دخولنا وخروجنا للتاريخ مرة أخرى بعد قرار إخراجنا من الجغرافيا قبل أكثر من أربعة عقود ونصف وهو صمودنا من الاندثار وانهيارنا عن استكمال مشروع التحرر هو تقدمنا نحو الوطن وتراجعنا عن بقية الوطن، وهو إعلان ولادتنا وكذلك شهادة عجزنا، هو نجاحنا في أن تكون في قلب الحدث، وفشلنا في أن نصنع الحدث في قلب مدننا التي خرجنا منها كما كل المنتصرين.
كان يمكن البناء على "أوسلو" لو عرفنا ما الذي نريد ولو كان لدينا مشروع حقيقي ولكن منذ اليوم الأول انقسمنا على ما جرى إلى الحد الذي أجهض كل منا مشروع الآخر، وتحول "أوسلو" إلى قيد على المقاومة التي اكتشفت قوتها بعد الاتفاق وتحولت المقاومة إلى عامل مناكف كأنه أقسم أن يدمر برنامج الآخر دون إعطاء فرصة، حتى نقدم للإسرائيلي ما يكفي من مبررات المراوغة لأنه لم يكن يبحث أصلا عن اكثر من اتفاق أمني وكان له ما كان.
ولأننا الآن بعد عقدين في أسوأ حالاتنا ولم نُجرِ ما ينبغي من المراجعة لسلوكنا الساذج في ممارسة السياسة والمقاومة أمام خصم مدمج بالدهاء ومراكز الفكر، اكتشفنا أن أزمتنا مركبة، ولأننا اعتدنا ألا نتوقف أمام تاريخنا وألا نعيد قراءته وألا نتعلم من تجاربنا واستهوتنا لعبة تخريب مشاريع بعضنا البعض بمكر طفولي لا يليق بالأمم ولا بممارسي السياسة، وحين ننظر في المرآة لنرى واقعنا الحقيقي الأسهل أن نقول أن "اوسلو" هو السبب.
فـ "اوسلو" أنشأ سلطة كان يمكن أن تشكل رافعة للمشروع لا سلطة للقتال عليها حد قتل الأبناء، وهذه وحدها تستحق وقفة، فالذنب ليس ذنب "أوسلو" حين يقتتل أبناء الشعب الواحد على تلك السلطة حد الموت، وليس ذنب "أوسلو" أن نفشل في بناء شراكة وأن نفشل في توحيد المشروع، وليس ذنب "أوسلو" أن نشكل أجهزة أمنية تدوس على حقوق الإنسان، ويصبح الاعتقال السياسي مادة عملها الأبرز، وليس ذنب "اوسلو" أن غزة منفصلة عن الضفة، وليست مسؤولية "اوسلو" ألا تجد بوابات المستوطنين آلاف الجماهير تتمدد أمامها، وليس ذنب "أوسلو" أن كل الفصائل مجتمعة اكتفت بأضعف الإيمان في الضفة وغزة حتى في القدس التي تنشط بها كل الفصائل أثناء الحملات الانتخابية، ولكنها تختفي حين يقتحم المستوطنون الأقصى، وليس هناك من يمنع من تحريك قواها البشرية بشكل سلمي حتى لكنها تصلح نموذجا حيا على عجزنا.
علينا ألا نلوم التاريخ على خطايانا بل نلوم أنفسنا بقسوة لما ارتكبناه بحق الوطن وحين يتلخص "اوسلو" في سلطة تقاسمتها الفصائل لتنشأ معادلة الربح والخسارة في حال تم المساس بأمن إسرائيل في الضفة وغزة، علينا ان نفكر بشكل أعمق وأكثر هدوءا من حملة انفعالية على نمط "اوسلو سيئ" وكفا الله الفلسطينيين شر النضال والكفاح والمقاومة ..!