لو فاز المشارك في برنامج الأم بي سي "آراب أيدول" الفلسطيني محمد عساف، كما هو متوقع بالمسابقة المعرّبة عن البرنامج الأميركي الشهير، فإن جنون بعض الفلسطينيين، سيملأ الدنيا، ولكن إلى حين، تماماً كما سبق وأن حدث قبل بضع سنوات حين فازت الأردنية ديانا كرزون في نهائي صاخب من برنامج مشابه "ستار أكاديمي" كان بينها وبين السورية رويدة عطية، كاد يُحدث "حرباً فنية" بين سورية والأردن، بعد ان تجند شعبا البلدين، كل الى جانب مواطنته! من يذكر الـ "إم بي سي"، يدرك أنها كانت مع "إي آر تي" رائدة العصر الفضائي العربي، إلى أن خطفت الأضواء منهما معاً كل من الجزيرة والعربية، اللتين تخصصتا بالبرامج الإخبارية والسياسية عموما، الى أن وصلتا الى لعب الدور الرئيسي في أحداث الربيع العربي الذي أسقط أنظمة في غضون أسابيع، ومن ثم فتح عددا من المجتمعات العربية على حالة من الفوضى التي لم تنته بعد.والملاحظ أن هذا البرنامج "آراب أيدول" يجيء بعد برنامجين سابقين، هما "سوبر ستار" و "ستار أكاديمي"، نجح من خلالهما عدد من الموهوبين العرب في الفوز بهما، دون أن يحققوا الكثير من الشهرة لاحقا، أو حتى الحضور الفني، ذلك ان حساب السرايا سرعان ما يتضح انه غير حساب القرايا، فعالم الفن الآن أنما هو عالم " بزنس" ليس بالضرورة أن ينجح فيه من يحصل على فرصة عابرة، وان كانت مهمة، لأن له شروطه وتفاصيله التي تحتاج الى مؤسسات تصنع النجوم وفق مواصفاتها وبناء على الذائقة والشروط العامة. وهنا نحن لسنا بصدد تعداد، او استرجاع أسماء من فازوا بمثل هذه البرامج للتأكيد على ما نسعى إليه، بعد أن نجح مصريون ومغاربة، لبنانيون وحتى خليجيون في مسابقات سابقة، بالكاد يتذكرهم من كانوا يتابعون البرامج طوال الأسابيع والأشهر المتتالية، ويتدافعون للتصويت لهم، وكأنهم في حفل يانصيب أو في مباراة كرة قدم !من الواضح أيضا أن هناك من يجد في مثل هذه البرامج من الفنانين المتحققين والمشهورين فرصته، ليملأ جيوبه بالمال، لقاء مشاركته وطلته التي تجلب الجمهور، وتدفعه الى إرسال رسائل الجوالات القصيرة، والى الجلوس أمام شاشة الفضائية التي كاد الناس ينسوها طوال العام، ولعل حضور أحلام وراغب علامة، وتحولهما الى حديث الناس طوال الفترة خير دليل على هذا، حيث يمكن القول بأن البرنامج انما صار مناسبة لتستعرض أحلام "سطوتها الفنية" وتأكيد علامة على أنه بات مدرسة فنية..المهم أن البرنامج تحول خلال أسابيع عرضه الى ما يشبه استراحة المحارب، بالنسبة لملايين البشر من العرب الذين أعيتهم مشاهد القتل اليومي التي تبثها الجزيرة والعربية من سورية وليبيا ومصر والعراق.ولابد من ملاحظة أنها تحولت الى مناسبة لتأجيج الشعور "القطري" بين العرب، بعد ان فتحت لهم أحداث "الربيع العربي" أفق التوحد بالشعور القومي، حتى لو كان ذلك من بوابة المأساة، رغم ان الحدث السياسي نفسه، اظهر ان ما يفرق أبناء البلد الواحد اكثر مما يجمعهم، بعد الصراعات السياسية الداخلية على الحكم.لكن ما يهمنا هنا، بمناسبة مشاركة عساف، هو ملاحظة الاهتمام الشعبي الفلسطيني، بدافع التعصب "الوطني" فمن يصوت له من الفلسطينيين، انما يفعل هذا لأنه فلسطيني بالدرجة الأولى، وليس لأنه موهوب فقط، وليس _ قطعا _ بدافع الاهتمام الفني، وسبق للفلسطيني عمار حسن أن تقدم في مسابقة سوبر ستار، ولكنه حين عاد الى فلسطين، لم يتحول الى فنان خارق للعادة، كما يتوقع كثيرون الآن لمحمد عساف، والأمر يؤكد توق الفلسطينيين الى أن يعيشوا حياة طبيعية مثل اشقائهم العرب، ولكنهم يتقنون فنون القتال أكثر من فنون الغناء، والاستثناء هنا أنما يؤكد القاعدة، وذلك لا يعني ان الفلسطينيين لم يبدعوا فنا وأدبا، ولكن الفن الملتزم والوطني، وهذا ما فعله درويش وثلة من السينمائيين الفلسطينيين الذي وصلوا مشارف الأوسكار. وكنا نفضل أن يكون دافع الانتماء لفلسطين هو أن فلسطين قضية تحرر، تشرف من ينتمي إليها، وليس لمن ولد فلسطينيا فقط. ما لا بد من الإشارة إليه، هو محاولة تفسير سبب الاهتمام الرسمي واهتمام شركات ومصارف كبرى، بدعم حملة التصويت لعساف، بتقديرنا، أن السبب لا يعود الى اهتمام مفاجئ بالثقافة والفن، فعند تشكل الحكومة الجديدة سقط مقعد وزارة الثقافة سهوا، ولولا احتجاج الخلايلة لما تم تكليف أحد بالوزارة، التي على أي حال لم تفعل الشيء الكثير طوال عشرين عاما للثقافة الفلسطينية الضرورية في مواجهة الاحتلال، وحيث يمكن الاهتمام بالفن بشكل عام وبكل الفنانين من خلال برامج عديدة، أقلها اقامة معاهد الموسيقى، والمسارح والمراكز الثقافية، ولكن يبدو أن التوقيت لعب دوره أيضا، فالحدث يجيء في وقت أثقل فيه الإحباط كاهل الفلسطينيين من جراء إخفاق "فتح" و"حماس" في وضع حد للانقسام، وفي وصول المفاوضات الى طريق مسدود، وفي تآكل قوة الدفع بعد فوز فلسطين بعضوية الأمم المتحدة قبل أكثر من نصف عام، وفي مواجهة الإحباط في غزة ينتشر تناول "الترامال" بين الشباب هناك، فأراد البعض ان يجعل من آراب أيدول حبة ألترامال فني، إن جاز التعبير، لنسيان إحباط عام يعم الفلسطينيين، الذين هم في كل الأحوال ليسوا بحاجة الى إشارات تؤكد توحدهم، ليس في الضفة والقطاع وحسب ولكن في الداخل والخارج، لكنهم بحاجة الى فعل حقيقي تقدم عليه "فتح" و"حماس" على طريق الوحدة وإنهاء الانقسام! Rajab22@hotmail.com