خبر : دم "أبو جهاد" وجرح والدي..فتحي صبّاح

الثلاثاء 16 أبريل 2013 12:46 ص / بتوقيت القدس +2GMT
دم "أبو جهاد" وجرح والدي..فتحي صبّاح



 كنت أغط في نوم عميق، عندما دخل جارنا أبو محمود وصرخ في أهل بيتي: "فزوا اصحوا لسه نايمين واسرائيل راحت ع تونس واغتالت ابو جهاد!". كانت الساعة تشير الى السادسة والثلث من صباح السادس عشر من نيسان (ابريل) 1988 عندما قفزت، على صوت أبو محمود، واقفاً على قدمي، وارتديت بنطال الجينز، الذي كان ملائماً للوضع إبان الانتفاضة الأولى، وكنا ننام، في كثير من الليالي، ونحن نلبسه و"البوت" الرياضي "مربوط" باحكام على القدمين، لنكون جاهزين لـ"الهرب" من المنزل عندما تحضر قوات الاحتلال. نزلت مسرعاً الى شوارع مخيم الشابورة في مدينة رفح جنوب قطاع غزة، فوجدت كثيرين من الأصدقاء والرفاق سبقوني في البحث عن قوات الاحتلال الاسرائيلي للاشتباك معها للتعبير عن ثورة غضب عارمة اعتملت في صدورنا فور سماعنا النبأ المشؤوم. كان والدي، أدام الله في عمره، نام ليلته يعاني من الام شديدة في بطنه، وانتظر بزوغ شمس الصباح بفارغ الصبر، كي يتوجه الى المستشفى لتلقي العلاج لالام ظلت مبهمة حتى تلك اللحظة. مرت ساعات طويلة ونحن نقارع قوات الاحتلال، وأكاد أجزم أن مخيم الشابورة شهد يومها واحداً من أكثر أيام الانتفاضة دموية وبسالة، وسقط صبية ورفاق كانوا من خيرة "رجال" المخيم. كان والدي يتألم كثيراً ويرسل في طلبي لانقله الى المستشفى من دون جدوى، كنا نشعر بأننا نُشفى غليلنا ونثأر لنائب القائد العام لقوات الثورة الفلسطينية الذي وقف خلف عمليات عسكرية وفعاليات نفذها شباب الانتفاضة انذاك، بخاصة من الأخوة في حركة "فتح". تبين اخر النهار بعدما نقلت والدي، برفقة صديقي الحميم مصطفى ابراهيم، الى المستشفى أن "الزائدة الدودية" انفجرت داخل بطنه. لم يكن الهم الشخصي هاجسنا بل الهم الوطني، لم يكن جرح والدي أهم من جرح الوطن، ولم يكن أبي أغلى من الأب الروحي للانتفاضة الأولى. في تلك الأوقات، والسنوات التي سبقتها، لم يكن "أبو جهاد"، رحمه الله، بالنسبة الينا سوى رجل يمثل "اليمين الرجعي" في حركة "فتح"، لم يكن بالنسبة الى اليسار الفلسطيني، قبل الانتفاضة على الأقل، رجلاً ملهماً، ومع ذلك شعرنا أن الدم غلى في عروقنا وسالت دموع كثيرة من مآقينا، وسقط يساريون كثر شهداء فداءً لروحه ودفاعاً عن كرامة فلسطين وديمومة الانتفاضة والثورة الفلسطينية، لدرجة أصبح "ابو جهاد" أيقونة للثورة ورمزاً للكفاح المسلح. كلما حلت ذكرى استشهاده، يمر على رأسي طيف من الأفكار والخواطر والمعلومات، وتطفو المقارنات والمقاربات الى "سطح" عقلي، من بينها معلومات خطيرة، غير منشورة، حول اغتياله قالتها لي "أم جهاد" في مقابلة صحافية أجريتها معها في غزة لمناسبة الذكرى العاشرة لاستشهاده، ولم يحن الوقت لنشرها. وخلال السنوات القليلة الماضية، وبدلاً من أن يستشهد الفلسطيني دفاعاً عن الفلسطيني، كما كانت الحال تاريخياً، تقاتل الفلسطينيون حتى سالت دماء كثيرة، ومزقوا أجسادهم ارباً. وبعدما كانت فرق الموت الاسرائيلية تقطع الاف الكيلومترات لتغتال الفلسطينيين في تونس ودول اوروبية شتى، قطعنا شراييننا بأيدينا، وبعدما كنا ندافع عم مشروعنا الوطني موحدين، على رغم كل الخلافات والتباينات السياسية، قسمنا العائلة الواحدة الى عائلات متفرقة، ومزقنا الوطن الى أشلاء، وتربع طرفا الانقسام على أشلائه مرتاحي البال وحمدا الله وشكراه على "النعمة" التي منحهما اياها، واكتفت كل جماعة برزقها من أرض ومكاسب ومال وفير وشعب قانع بأن ارادة الله هي الأقوى. لو كان "أبو جهاد" حياً بيننا، واغتالته اسرائيل اليوم السادس عشر من نيسان (ابريل) 2013، فهل كان أبناء حركة "حماس" سينزلون الى الشوارع لـ"الجهاد" ثأراً لاغتيال "ابي جهاد"؟ أشك في ذلك، فالواضح أن كل طرف من طرفي الانقسام شق لنفسه وجماعته طريقاً قد لا تلتقي مع طريق أخيه، بل إن الطريقين تتباعدان عن بعضهما بعضا يوماً بعد يوم. ومع ذلك يبقى الأمل في أن يلتقي الطريقان أو على الأقل يتقاطعان مثلما تتقاطع قضبان السكة الحديد لتمكين القطارات من الانتقال من مسار الى اخر حفاظاً على أرواح ركابه، فهل سيظهر قائد يوماً يحافظ على قطار الوطن وراكبيه؟.