في سؤال اللامعقول، هل يمكن لإمرأة ان تكون نصف حامل؟ إن الاجابة بالقطع لا، فالمرأة إما ان تكون حاملا او لا تكون. يكاد يكون السؤال نفسه للمجتمع الدولي فيما يتعلق بالعدالة في هذا المكان من العالم، فهل يمكن تصور ان يكون هناك نصف عدالة أو نصف قانون؟ وهل يمكن لسلام أن يتحقق دون عدالة؟ وهل يمكن لعدالة أن تستقيم مع احتلال؟ كما المرأة الحامل كذلك العدالة، إما أن تكون حاضرة وغير منقوصة أو غائبة بلا أثر. من الصعب أخلاقيا وقانونيا تصور أن تكون هناك عدالة تتساهل، من جهة، مع الحصار الذي تفرضه دولة الاحتلال على شعب بأكمله، ومن جهة ثانيه، تمده بسخاء بمساعدات انسانية، أو ان تكون هناك عدالة تدين تدمير منزل عائلة الدلو على رأس الاثني عشر فردا هم من فيه من النساء والأطفال في غزة من جهة، بينما توفر غطاء سياسيا وقانونيا لمرتكب هذه الجريمة وتمده باسلحة تتسبب في سقوط مزيد من الضحايا الأبرياء وتترك المجرمين ممن امروا او نفذوا مثل هذه الجرائم، محصنين دون أي ملاحقة او مساءلة من جهة ثانية. إن غياب العدالة والتوظيف النفعي السياسي لها، هو واقع الحال في الأراضي الفلسطينية المحتلة يدفعه الفلسطينيون شهداء وجرحى ومعتقلين ومعاناة متواصلة. "اعطوا السلام فرصة" هو ما تبناه العالم من شعار وما مارسه من فعل سياسي لما يقرب من عقدين من الزمن هما عمر مفاوضات بائسة بين الاسرائيليين والفلسطينيين، شهدت خلالها ولازالت الأراضي الفلسطينية المحتلة تدهورا خطيرا في كل مجالات الحياة، فلم يتحقق السلام ولم ينته الاحتلال. إن هذا التدهور الخطير هو الناتج الطبيعي لعملية سلام تفتقر لقواعد العدالة وتتسامح مع ما يرتكب من جرائم بحق الفلسطينيين وتعطي دولة الاحتلال مساحة من الزمن لتغيير حقائق الواقع وتوفر فعليا غطاء سياسيا لها للاستمرار في ارتكاب المزيد من الانتهاكات الجسيمة لقواعد القانون الدولي، وفي النهاية لم يتحقق لا امنا ولا سلاما بل أفضت إلى حالة من التهديد الحقيقي للأمن والسلم الدوليين في المنطقة برمتها. إن توجه الفلسطينيين للامم المتحدة وحصولهم على صفة الدولة غير العضو منذ أشهر، يعبر إلى حد كبير عن يأس الفلسطينيين من عملية تفاوض بائسة لا نهاية لها، وهي التي ارادها الفلسطينيون ان تكون وسيلة لحصولهم على حقوقهم فأصبحت غاية بذاتها. وعلى الرغم من وعودات العالم للفلسطينيين بالسلام والرخاء والأمن فإن أي من ذلك لم يتحقق. بل إنها لم تسفر إلا عن إعطاء دولة الاحتلال مزيدا من الوقت المستقطع لتغيير معالم الجغرافيا والديمغرافيا، عبر تسريع وتيرة الاستيطان في قلب الأراضي المحتلة وفرض اجراءات ادارية وعقابية تحول من قدرة الفلسطينيين على الحركة وعلى سيطرتهم على مواردهم وتفتييت وحدة أراضيهم. إن ما تقوم به دولة الاحتلال من اجراءات وممارسات خطيرة يقضي على أي أمل باق في امكانية حل الدولتين الذي لازال المجتمع الدولي يدعي بأنه داعم له. فهل تخدم هذه الاجراءات الخطيرة والتي تمثل انتهاكا جسيما لقواعد القانون الدولي مصالح المجتمع الدولي؟ وهل يحافظ هذا على الأمن والسلم الدوليين كأحد مقاصد الأمم المتحضرة كما عبر عنه ميثاق جماعة الأمم في العام 1945؟ إن تدخل المجتمع الدولى على أسس مختلفة وفي افتراق واضح مع قواعد الاشتباك القديمة، اصبح الآن ضرورة تستوجب التحرك فورا لوضع أسس جديدة لعملية سياسية تنهي الاحتلال وبما يمكن الشعب الفلسطيني من ممارسة حقوقه المشروعة غير القابلة للتصرف، وفقا لقواعد القانون الدولي وقيم العدالة، وهي القواعد والقيم التي وضعها العالم المتحضر ودافع عنها، والذي يبدو أنه آخذ في التراجع عنها وكأنها منتجا لقيطا وليس منتجا شرعيا للحضارة الغربية والانسانية. على الرغم من من ان اتفاقية أوسلو تقر من الناحية النظرية، بأن الضفة والقطاع تشكلان وحدة اقليمية واحدة، وبعدم جواز المساس بسلامتها الإقليمية، فإن دولة الاحتلال قامت من الناحية الفعلية بممارسة نقيض ذلك، حيث أريت قواعد الفصل بين المنطقتين من خلال منظومة من الإجراءات الإدارية والأمنية والسياسية، الأمر الذي توج بالانفصال الاحادي الجانب عن قطاع غزة في العام 2005 حيث أعادت دولة الاحتلال انتشار قواتها من داخل القطاع إلى حدوده وفرض سيطرة مطلقة على سمائه وبحره. إن خطوة الانفصال الاحادي وما تلاها من تعميق الفصل بين الضفة الغربية وقطاع غزة، هدفت ولازالت إلى كي وعي الفلسطينيين في إمكانية الحصول على دولتهم والقضاء على أي آمال لهم في ذلك، من خلال المحاولات المستميتة لدفع غزة جنوباً، وتكثيف الاستيطان في الضفة وتحويلها إلى كانتونات معزولة ومفصولة عن بعضها. إن ما فرضته اوسلو من شروط وما قامت به دولة الاحتلال من اجراءات وما تبنته من سياسات منظمة في الأراضي الفلسطينية قد أفضى إلى فقدان الفلسطينيين للثقة في أي امكانية لانعتاقهم من الاحتلال وحصولهم كما شعوب العالم على دولتهم كحق أصيل لهم. إن المشهد القائم هو حصاد للآثام، فمن وهم السلطة في الضفة وفي غزة، إلى انعدام السيطرة على الحد الأدنى من الموارد والمقدرات إلى فرض قيود مشددة على حركة تنقل الأفراد والبضائع في ظل وجود مايزيد عن مائة حاجز عسكري تقطع اوصال اراضي الضفة وتقضي على امكانية التواصل بينها، وتسارع وتيرة الاستيطان في سباق محموم مع الزمن لتغيير معالم الأرض، وتهويد المدينة المقدسة وطمس كل ما هو فلسطيني أو عربي، إسلامياً كان أم مسيحياً. إن أخطر ما تقوم به دولة الاحتلال، في ظل صمت المجتمع الدولي، هو انها لا تحاصر فقط حاضر الفلسطينيين وانما تحاصر مستقبلهم وتختطفه وتجعل منه عصيا على أي انعتاق او تنمية حتى بزوال تلك الأسباب، إن ديناميات الحصار كعملية تخليف اقتصادي واجتماعي وثقافي خطيرة وبعيدة المدى لايجدي معها حسابات الكميات (ماذا يسمح بدخوله وكميته) بل حسابات الاستراتيجيا بما له علاقة من فعل واع ومبادر ومتوافق عليه ينقذ مستقبل الفلسطينيين وحاضرهم من خطر حقيقي يهدد وجودهم ومقدراتهم ووحدة اراضيهم ونظامهم السياسي. الحالة القائمة الآن في الأراضي الفلسطينية فريدة من نوعها، وما يميزها أنها بالغة الهشاشة، وأن مستقبلها حتى القريب جدا، عصي على التنبؤ به، حيث أن هشاشة الحالة واستمرار الاحتلال في عدوانه على الأراضي الفلسطينية وتفتيت وحدتها قد جعل من أي فعل سياسي مرهون إلى حد كبير بردود الأفعال، وهو ما يسلب الفلسطينيين أي قدرة على التخطيط وأي محاولة لإستشراف المستقبل، حيث يمكن لتطور ما، سياسي او امني، أن يقضي على أي خيارات او ممكنات. منذ نشأتها، أراد المجتمع الدولي للسلطة الفلسطينية أن تعتمد في وجودها وفي قدرتها على الوفاء بواجباتها تجاه مواطنيها على ما يقدمه اليها من مساعدات. وقد نجح التمويل الدولي في جعل السلطة في اعتمادية هائلة عليه مما خلق هياكل سلطوية بالغة الهشاشة. فالتمويل الدولي وهو سياسي بامتياز، أبقى ويبقى رقبة السلطة بين يدي أطراف يمكنها ان تستخدم ذلك التمويل متى شاءت وكيفما شاءت لممارسة ضغوط سياسية عليها. في وقت لم يرافق ذلك التمويل، أي دور سياسي فاعل يمارس ضغطا على دولة الاحتلال بما يضمن ولو بالحد لأدنى أن تذهب تلك الأموال لغاياتها المدعاة. وفي نهاية الأمر شكلت هذه الأموال التي يدفعها المجتمع الدولي، جزءاً من فاتورة تدفع للاحتلال، ليصبح الاحتلال الاسرائيلي هو الأقل كلفة مقارنة بأي احتلال عرفه العالم. إنها لحظة الحقيقة التي يتوجه فيها الفلسطينيون للعالم معلنين بوضوح، بأن الوقت لايسير ابدا في مصلحة السلام طالما بقيت مرجعيات الاشتباك مع الأراضي الفلسطينية قائمة على التضحية بقيم العدالة وقواعد القانون الدولي. إن الكلمة السحرية لفهم الحقيقة هي "الاحتلال"، الذي يجب ان ينتهي كشرط لارساء القواعد الحقيقية للسلام، وهو الآن أبعد ما يكون. انها لحظة الحقيقة التي يجب الكف فيها عن تحميل الضحية السبب فيما يرتكبه الاحتلال من جرائم وانتهاكات خطيرة لقواعد القانون الدولي. إن ما ينشده الفلسطينيون ويسعون اليه هو العدالة التي جرى تغييبها والتضحية بها، بوعي وادراك كاملين، هي العدالة الكاملة التي تضمن للفلسطينيين حقوقهم المشروعة وغير القابلة للتصرف والتي لاتنازل عنها وضمان عدم منح الحصانة لمن انتهك قواعدها وارتكب جرائم ضد الانسانية. إن السلام الحقيقي هو ذلك السلام المؤسس على قواعد العدالة ومن يري في العدالة والسلام نقيضيين لا يلتقيان ، لن يحقق لا عدلا و لا سلاما، بل يقوم بفعل واع بإعطاء المجرم رخصة للإمعان في جرائمه وضوءا اخضرا له للتغول في دماء الضحايا.