لم تعد آمال المواطن العربي في الدول التي شهدت «الربيع العربي» كبيرة كما كانت عندما تحرك من أجل إحداث تغيير يعِد بمستقبل أفضل، وبات أمله ألا يحدث الأسوأ مما هو فيه الآن؛ بل المفارقة أنه أحياناً «يحنّ» إلى الوضع الذي كان قبل التغيير. لم تعد الديمقراطية ولا الحريات مغرية له؛ لأنها ارتبطت بالفوضى والدمار، بل إن أعداد حالات القتل في عهد «الديمقراطية على طريقة الإخوان» أكبر، والضحايا أكثر، وسجناء الرأي وقضايا إغلاق القنوات ومنابر حريات التعبير في تصاعد. والعيب بالطبع ليس في المفردتين السياسيتين الناجحتين في دول أخرى غير عربية، وإنما الأمر متعلق بأن تحوُّلنا إليهما -كما يعتقد بعض المراقبين- لم يحن بعد، وأن المجتمعات العربية ما زالت غير جاهزة لذلك الانتقال الكبير. والناظر إلى ما يحدث على الأرض لدول «الربيع»، يعرف أن المجتمعات العربية تحتاج إلى تهيئة الوضع من أجل معرفة الناس لمعنى الحوار والاستماع وحرية التعبير والنقد. وكذلك معرفة الفرق بين الرأي والاختلاف مع الآخر، على اعتبار أن هناك حدوداً لا ينبغي تجاوزها. ويكفي أن تتابع القنوات التلفزيونية ومواقع التواصل الاجتماعي كي تعرف مستوى لغة «الحوار» و«حرية التعبير»، وتحكم عليها بأنها السبب في الحال الذي وصلت إليه المجتمعات العربية. الوضع بعد «الربيع» يصدم المراقب العربي وغيره، ويصدم المواطن العادي الذي بات تائهاً بين تيارات إسلامية تحكمه وفق نظرة ضيقة لمفهوم الدولة، وبين معارض يريد أن يُسقط السلطة لأنه يتحرك وفق برنامج سياسي خاص به أو بمجموعة يمثلها، وبين المثقف الذي يعمل على التعبئة «والتهييج» من أجل أجندات إعلامية تخدمه وحده؛ تشتمُّ فيها رائحة رغبته في استمرار الفوضى. في هذه الصورة العامة، صار هذا المواطن العربي ضحية لمواقف الآخرين، وللفقر الذي اشتدت حدته نتيجة لتوقف الكثير من المشاريع الاقتصادية وتضاؤل فرص العدالة الاجتماعية والعيش الكريم الذي ثار من أجلها. وبالتالي لا تستغرب عندما تسمع اليوم من يقارن بين الوضع الحالي «الديمقراطي» والوضع السابق، ويقول إن النظام السابق أفضل لأن المواطن فقد كل شيء حتى الأمان الشخصي، ولم يعد يعرف من هو الأصدق. الذين جاءوا بالانتخابات ضيَّعوا هيبة الدولة، وصارت السلطة منهارة، ولا أحد يريد أن يتحمل المسؤولية، بمن في ذلك شاغلو قمة الهرم السياسي. والمشكلة أن «النفسية الإخوانية» تتفنن في إلقاء اللوم بشأن الوقائع الجارية حالياً على الأنظمة السابقة، وهي حجة العاجز كما هو معروف، لأن وصول أناس إلى الحكم عن طريق الانتخابات يعني أنهم جاءوا من أجل ضمان أمن الشعوب وصنع مستقبل أفضل. التذرع بالآخرين واعتبارهم السبب فيما يجري ليس إلا محاولة لـ«استغفال» المواطن العربي، وإقناعه بأن الفشل يعود إلى «مؤامرات» من قوى مجهولة، وليس إلى الممارسة السياسية التي نجمت عن منطلق فكري ضيق يعمل على احتكار السلطة وتأميم الحياة الاجتماعية والسياسية لتكون خاصة بـ«الجماعة» على حساب الوطن. لا يريد هؤلاء المتذرعون الاعتراف بأنهم يفتقرون إلى الخبرة في إدارة الدول، وأنهم يستبعدون المؤهلين لصالح تمكين أتباع ومريدين وموالين تتسبب خبراتهم الهزيلة وكفاءاتهم المتدنية في كوارث على كل المستويات. وقد أدى ذلك إلى تآكل مصداقية «الإخوان المسلمين» وفقدان الثقة فيهم. وهناك مخاوف من أن تتسبب سلوكياتهم في كراهية الناس للتعاملات الدينية ذاتها، بسبب محاولة جماعات الإسلام السياسي الربط بينها وبين الإسلام كدين. تحدث كثيرون في الفترة السابقة عن أن «الإخوان» قوة سياسية مجتمعية، لكن ليس لديهم تصور حقيقي لإدارة الدول. فإدارة الدول تختلف عن إدارة الجمعيات الخيرية أو العمل الحركي والتنظيمي الذي خبرته الجماعة، فالأول يحتاج إلى معرفة من نوع مختلف وخبرات متراكمة في شتى المجالات، ولا يكفي أن يكون لديك كوادر متعلمة لتدير دولة بما تنطوي عليه هذه المهمة من تعقيد وتنوع هائلين. في الولايات المتحدة، وهي دولة صاحبة تجربة ديمقراطية عريقة، لا يتم انتقال «إدارة البيت الأبيض» من رئيس إلى آخر بالطريقة التي تمت في الدول العربية، بل المتعارف عليه أنه بعد إعلان نجاح رئيس جديد، في شهر سبتمبر عادة، يتم تشكيل لجنة تمثل الرئيسين الحالي والقادم، تدير المرحلة الانتقالية إلى حين تسلم الرئيس الجديد في فبراير من العام الذي يليه. الإجراءات التي اتخذها «الإخوان» بعد وصولهم إلى السلطة فتحت الباب على مصراعيه أمام انشقاقات سياسية ضاعت معها الرؤية التي توحِّد الجميع حول هدف وطني. وكان تحسين شروط الحياة وتحسين الأوضاع الاقتصادية من أبرز دوافع الحراك الشعبي، كما كان من بين أهدافه خلق «الإجماع» الوطني على شخصية سياسية أو قوى سياسية يطمئن الناس إلى أنها تسعى إلى تحقيق الأفضل. وفي ظل افتقار تيارات الإسلام السياسي إلى هذين العنصرين تتحرك الممارسات السياسية في اتجاه يعاكس تماماً ذينك الهدفين. لقد اتضح أن هدف التحركات السابقة كان «إسقاط النظام» فقط دون التفكير في القادم، ودون تصور للبديل السياسي الذي سيحل محل النظام القديم. وتم الاحتكام إلى صناديق الانتخابات لنيل شرعية جديدة تخرج بالقوى السياسية المتنافسة من الفوضى التي وجدت نفسها فيها، وقد أكدت الأحداث اللاحقة أن هذا الأمر ليس كافياً، على الرغم من أهميته، وأنه يتعين على القادة الحاليين اكتساب شرعية لا تقل أهمية عن صندوق الانتخابات، وهي شرعية «الإنجاز». والسبب الحقيقي لما يحدث الآن هو الصراعات السياسية بين القيادات الموجودة، فكلٌ يريد أن يفرض أفكاره السياسية وأيديولوجيته من أجل المصالح الفئوية والضيقة على حساب المصلحة الوطنية. وهناك مخاوف من أن تتحول الخلافات إلى نقطة ضعف تُخترق منها الدول لصالح الخارج. إن التحدي والتنافس بين القوى السياسية يجب أن يكون من أجل المصلحة الوطنية الكبرى، أو من أجل مشروع اقتصادي تنموي