إذا كان الهدف المنشود لثورات ما يسمى (الربيع العربي)، هو التغيير السياسي في البلدان التي حدثت فيها، فإن مفهوم التغيير السياسي حسبما جاء في تعريف المعنيين، يتسم بنوع من الشمولية والاتساع . ولفظ التغيير السياسي يشير إلى التحول، أو النقل من مكان إلى آخر ومن حالة إلى أخرى، ويقصد به أيضاً، “مجمل التحولات التي تتعرض لها البنى السياسية في مجتمع ما بحيث يعاد توزيع السلطة والنفوذ داخل الدولة نفسها أو دول عدة، كما يقصد به أيضاً الانتقال من وضع لا ديمقراطي استبدادي إلى وضع ديمقراطي، وكذلك يعرف التغيير بأنه انتقال المجتمع بإرادته من حالة اجتماعية محددة إلى حالة أخرى أكثر تطوراً” . وما يهمنا هنا هو، استكناه واستقراء مستقبل التغيير السياسي في البلدان التي أُطيحت بها النظم السابقة جراء “الثورات” المذكورة، وجاءت أوراق البحوث والدراسات بهذا الجانب متضاربة في الاستقراء والتحليل، تبعاً للاتجاهات والميول السياسية لمعدي هذه الدراسات الاستقرائية . وعلى سبيل المثال لا الحصر، تقول ورقة إسلامية الهوى في هذا المنحى، جميع القوى الإسلامية في الشرق الأوسط والعالم العربي ليست من القوى المتطرفة، وإنما هناك القوى المعتدلة أمثال جماعة الإخوان المسلمين المتمثلة في حزب الحرية والعدالة في مصر، والمتمثلة في حزب النهضة الإسلامية في تونس وحزب العدالة والتنمية في المغرب وبعض الأحزاب والحركات الأخرى في العالم العربي، فالكثير من هذه القوى المعتدلة لا تقوم سياساتها على أساس الكراهية للغرب، أو تقسيم العالم إلى عالم الكفر والإيمان، بل تقوم سياسات تلك الأحزاب المعتدلة على الأساس البراغماتي . بينما تقول رؤية محايدة، بالنسبة للإسلاميين يظل مشروعهم غامضاً و”ملتبساً” إلى أبعد الحدود، وهو كذلك بشكل نسبي لدى القوى الليبرالية والتقدمية والوطنية لأنهم لم يكونوا مستعدين لهذه المرحلة أبداً، ولم يتوقعوا بأي حال من الأحوال أن تتم “العملية الثورية” بهذه الطريقة ويكونوا مباشرة أمام تحدي إعادة البناء للدولة، وربما لدى الإسلاميين بعض السمات الإيجابية بالانفتاح والحوارات إلى آخره، لكن على مستوى الرؤية الأيديولوجية، فهم يتسمون بالجمود الفكري بالنسبة لرؤيتهم للمرأة وحقها في التمكين السياسي، حيث يتحدثون عن الأمة وليس عن الدولة، كما يتحدثون عن الرعية وليس عن المواطنة، ومع ذلك هم يتفقون مع المشروع الغربي في الرأسمالية، وواحد من أهداف ثورات الربيع العربي تحقيق العدالة الاجتماعية، وهذه لا يمكن أن تتحقق إلا برؤية جديدة لماهية السياسة الاقتصادية، وبالتالي لا يمكن أن نعتمد اقتصاد السوق بنسخته الأمريكية أو الغربية لضعف البناء المؤسسي في دولنا، وكذلك لضعف القوة الشرائية لأغلبية الشعوب العربية . وبناء على ما وصلت إليه الأمور من وقائع وتداعيات مستمرة في البلدان التي أُطيحت بها النظم السابقة بفعل هذه الثورات، وتسلم قوى الإسلام السياسي دفة الحكم فيها، نستطيع القول إن ثورات “الربيع العربي” ليست بالثورات التي يمكن التعويل عليها لإحداث تغيير جذري في مقومات الدولة التي يمكن أن تتمخض عنها، وانقلاب تام على مختلف الأسس التي أقيمت عليها تجربة النظم التي أطيحت بها، وإنما هي ثورات شعبية انطلقت لتقول لا للنظم الحاكمة التي لم تستطع أن تقدم نموذجاً مقبولاً لنظام حكم مستقر، كما أن الثورات هي أيضاً ليست لديها بعد خريطة طريق متفق عليها، وأن القوى التي تولت قيادة التجربة الجديدة لاتزال تفتقد إلى برنامج واضح، ولا تملك سوى تصورات اولية لكيفية الانتقال بالأوضاع نحو الأهداف المنشودة . ولهذا تقول الدراسات الاستشرافية لمستقبل التغيير السياسي في بلدان “الربيع العربي”، أن هنالك ثلاثة مستويات من التحديات بالنسبة لمستقبل التجربة الإسلامية في الحكم، المستوى الأول: المواطن الفرد العربي، ومدى قبوله الجديد الذي يطرحه الإسلاميون، والثاني: مستوى هيكل الدولة المستقبلي، بعد عقود من الفساد والترهل، والثالث: المستوى الخاص بهيكل النظام الدولي، ومدى قبوله للإسلاميين . ويبقى أن مستقبل الوضع بالإقليم العربي سوف يتوقف على مجموعة من الأمور، أهمها: المسارات التي سيأخذها التحول السياسي الجاري في النظم العربية بعد الثورات، والفترة التي تأخذها حقبة عدم الاستقرار السياسي، وهل تتمكن دول الثورات من الانتقال إلى الديمقراطية؟ وهل شروط الانتقال الديمقراطي وقواعدها متوافرة في ظل صراعات الاستقطاب الحادة بين الإسلاميين والليبراليين؟ وإلى أي حد سينعكس التغير في نظم الحكم على أداء النظام العربي، وطبيعة العلاقات بين دول الثورات والدول الأخرى، ودور الجامعة العربية في إدارة هذه العلاقات . أسئلة متوالية، ليس بمقدورنا الإجابة عنها في هذا الوقت، وربما نعجز عن ذلك حتى في المستقبل .