يفرض موضوع التنوير نفسه هذه الأيام بشدة على الفكر العربي، ربما حنيناً إلى الماضي القريب وحسرة عليه بعد أن سادت الماضوية، دعم الفكر الديني المحافظ، وهرب الناس من حاضرهم إلى ماضيهم يجدون فيه العوض والعزاء عن مآسي الحاضر والعجز عن مواجهتها، وربما لفقر في إبداعنا واستئنافاً لمسيرة التنوير منذ فجر النهضة العربية الحديثة. فأين الأفغاني وأديب إسحاق وعبدالله النديم في فكرنا التحديثي الآن؟ وأين الطهطاوي وخيرالدين التونسي وأحمد لطفي السيد وطه حسين في فكرنا الليبرالي اليوم؟ وأين شبلي شميل وفرح أنطون ويعقوب صروف في فكرنا العلمي الراهن؟ ليست المسؤولية على جيلنا وحده بل هي مسؤولية ظروف سياسية واجتماعية موضوعية مرت بها الأجيال التالية أدت إلى كبوة النهضة وانحسار التنوير وردة الفكر العلمي. لقد صاغ الأفغاني المشروع التحديثي: الإسلام في مواجهة الاستعمار في الخارج والقهر في الداخل. وبعد فشل الثورة العرابية التي قامت بناء على تعاليمه في عام 1882 هبط التجديد إلى النصف عند محمد عبده الذي رفض أسلوب الانقلابات والثورات السياسية وفضل أسلوب التربية وتجديد اللغة العربية والمحاكم الشرعية. ولما قامت الثورة الكمالية في تركيا اعتماداً على القومية الطورانية وتقليد الغرب كما بدت في جمعيات الاتحاد والترقي وتركيا الفتاة هبط التجديد إلى النصف مرة أخرى عند رشيد رضا الذي عاد سلفياً. فالفعل يولد رد الفعل، والنقيض ينتهي إلى النقيض، والتطرف يؤدي إلى تطرف مضاد. وقد حدث الشيء نفسه بالنسبة للتيار الليبرالي الذي أسسه رفاعة الطهطاوي في مصر وخير الدين التونسي في تونس، الإسلام المستنير القائم على أفكار الحرية والإخاء والمساواة. دعا إلى النظم البرلمانية والتعددية الحزبية والدستور وحرية الرأي وتعليم البنات أسوة بالبنين وجد في «الشـَّرطة» LA CHARTE الفرنسية مبادئ الشريعة الإسلامية، لأنها تقوم على قاعدة التحسين والتقبيح العقليين أحد أصول المعتزلة الخمسة، ووحد بين الصناعة والعمران، فليكن هذا الوطن مكاناً لسعادتنا أجمعين نبنيه بالحرية والفكر والمصنع. ثم استمر علي مبارك بالتيار نفسه مزاوحاً بين تراث الأنا وتراث الآخر وأسس دار العلوم، ودار الكتب المصرية، ومدارس رياض الأطفال وأعاد تخطيط البلاد. وكما استعمل الطهطاوي المرآة المزدوجة لرؤية الأنا في مرآة الآخر، والآخر في مرآة الأنا في «تلخيص الأبريز» فعل ذلك أيضاً علي مبارك في رواية «علم الدين» الأول مع فرنسا، والثاني مع إنجلترا. ثم ضاع التوازن الدقيق بين الموروث والوافد عند أحمد لطفي السيد بتأصيله الحرية والديمقراطية كحاجة للعصر عند اليونان وليس في الإسلام، ثم عند طه حسين عندما زاد الوافد على حساب الموروث في «مستقبل الثقافة في مصر»، إذ جعل ثقافة مصر جزءاً من الثقافة الغربية، منفصلة عن الثقافة الإسلامية في الشرق. فازداد التغريب ثم حدث رد الفعل عند العقاد بتغليب الموروث على الوافد والانتصار للثقافة الإسلامية على الثقافة الغربية. ثم تحولت الليبرالية أخيراً عند حزب «الوفد» الجديد إلى علمانية صرفة لا صلة لها بالتراث أو حتى بالجوانب التنويرية فيه باسم الوحدة الوطنية، وأصبحت أساساً للانفتاح الاقتصادي والتوجه الغربي والمعاداة للثورات العربية الحديثة. وحدث الشيء نفسه مرة ثالثة بالنسبة للتيار العلمي العلماني عندما بيّن شبلي شميل أهمية نظرية التطور عند داروين، وأخذ التطور منظوراً عاماً للعلوم الإنسانية والاجتماعية وقد حاول تأصيلها في القرآن الكريم باكتشاف علوم العمران فيه. وكذلك حاول فرح أنطون تأصيل العقلانية العلمية والعلمانية في فلسفة ابن رشد. ثم أتى سلامة موسى ويعقوب صروف وانتصرا للثقافة الغربية دون تأصيل للعلم والعقلانية في التراث القديم. وبدأ ذلك في «هؤلاء علموني» لسلامة موسى، ثلاثة وعشرون مفكراً غربياً باستثناء غاندي، لا يوجد فيهم مفكر عربي مسلم أو مسيحي واحد علمه شيئاً. ولا يكاد يذكر يعقوب صروف في«المقتطف» إلا العلم الغربي، الحالة الراهنة للعلم دون أية إشارة إلى مساهمة العلماء العرب. فلما أتى مصطفى محمود بعد هزيمة عام 1967 وضرورة العودة إلى الله للنصر وترويج الساسة لمجتمع العلم والإيمان جاور العلم الإيمان. العلم من الغرب والإيمان منا. وبالإضافة إلى ظاهرة الكبوة، أن النهايات غير البدايات والنتائج غير المقدمات، هناك أيضاً ظاهرة تغيير الاتجاه في الفكر العربي المعاصر وهي أن يبدأ مفكر في تيار ثم ينتهي في آخر حياته في تيار آخر، انتقالاً من النقيض إلى النقيض. وعادة ما يكون التيار الذي بدأ به هو الوافد والتيار الذي انتهى به هو الموروث. فإسماعيل مظهر مثلاً بدأ بالتيار العلمي العلماني، وانتسب إلى نظرية التطور وفلسفة النشوء والارتقاء مثل شبلي شميل وترجم أصل الأنواع لداروين وطبق نظرية التطور على علوم اللغة والأدب وفي آخر عام له كتاب «الإسلام أبداً» كنوع من التوبة عما قضى فيه عمره وأفنى فيه حياته. ولا يوثق بما ينقل عن رواد النهضة من ردة في اعترافاتهم الخاصة مثل ما ينسب إلى عبدالرازق مما قاله في آخر حياته، وإنكاره ما كتبه سلفاً في «الإسلام وأصول الحكم»، وما ينسب إلى قاسم أمين في إنكاره ما كتبه في «تحرير المرأة» و«المرأة الجديدة». وإنما يوثق بالنصوص المكتوبة لإثبات ظاهرة تغيير الاتجاه عندما يكتب المفكر نصاً في أول حياته في تيار فكري ثم نصاً ثانياً في أواخر حياته في تيار فكري آخر. وهناك ظاهرة ثالثة في عصر النهضة العربية وهي استحالة الانغلاق في تيار واحد وضرورة الجمع بين تيارين أو أكثر. فخالد محمد خالد وقاسم أمين، وعلي عبدالرازق، تجديديون ليبراليون. ومحمد حسين هيكل في «منزل الوحي» وطه حسين في «على هامش السيرة» ليبراليون تجديديون. الفريق الأول يبدأ من الدين إلى الليبرالية، والفريق الثاني يؤصل الليبرالية في الدين. وزكي نجيب محمود وفؤاد زكريا ليبراليان علميان، ليبرالية في المجتمع وعلمية في النظر إلى الطبيعة. وهناك مفكرون يجمعون بين الإسلام والقومية، بين التيار النهضوي والفكر القومي مثل محمد أحمد خلف الله، ود. محمد عمارة. وآخرون يجمعون بين الإسلام والاشتراكية مثل طه حسين في «المعذبون في الأرض»، وعبدالرحمن الشرقاوي في «محمد رسول الحرية» و«الحسين ثائراً»، و« الحسين شهيداً»، و«أئمة الفقه الأربعة». وهنا يبدو التجديد الديني قاسماً مشتركاً بين معظم المفكرين المعاصرين وهو يعبر عن اختيار الأصل ثم يضاف العصر إليه سواء كان ليبرالياً أم قومياً أم اشتراكياً. فإذا كانت هناك تيارات ثلاثة في الفكر العربي المعاصر: التجديد الديني، الليبرالي، والعلمي والعلماني، فهناك احتمالات أربعة أيضاً للجمع بين تيارين أو ثلاثة في آن واحد: التجديدي والليبرالي وهو الأغلب (الأفغاني، محمد عبده، قاسم أمين، علي عبد الرازق، طه حسين، هيكل، العقاد)، والليبرالي العلمي (شبلي شميل، فرح أنطون، يعقوب صروف، سلامة موسى، زكي نجيب محمود، فؤاد زكريا) والتحديثي العلمي وهو الأقل (طنطاوي جوهري، مصطفى محمود). وقد يكون مشروع «التراث والتجديد» هو الذي يجمع بين التحديث والليبرالية والعلمية في آن واحد. وهناك ظاهرة رابعة حددت النهضة العربية الحديثة، هي اعتبار الغرب نمطاً للتحديث، الغرب الليبرالي أولًا والعلمي ثانياً. ومن ثم أصبحت الليبرالية هي القاسم المشترك بين التيارات الثلاثة: التحديثي والليبرالي والعلمي العلماني. البداية مختلفة: الدين أو السياسة أو العلم ولكن النهاية واحدة، الغرب نمط للتحديث النظم البرلمانية، التعددية الحزبية، حرية الصحافة، الدستور، تعليم البنات، العمران. وهذه المماثلة المستحيلة هي التي أدت إلي انهيار المشروع الليبرالي الحديث ونهوض الماضوية المعاصرة لوراثته، تساعدها على ذلك الظروف السياسية التي مرت بالعالم العربي: هزيمة العرابيين في عام 1882، والثورة الكمالية في تركيا في عام 1923، وهزيمة عام 1967. إن الظروف الحالية التي تمر بها الأمة العربية تحتم إعادة النظر في كل شيء: البدايات والمقدمات والمسلّمات، فلا محظورات ولا ممنوعات. لقد اجتهد الرواد الأوائل كما اجتهد الأواخر. هم رجال ونحن رجال نتعلم منهم ولا نقتدي بهم. والهدف من هذه المراجعات لرواد عصر النهضة العربي الأول المساعدة على الميلاد الجديد لنهضة عربية ثانية، لا نحنّ فيها إلى الفجر القديم الذي تحول إلى غسق وظلام بل نتوق فيها إلى فجر جديد يتحول إلى إشراق وإصباح. وذلك يتطلب إعادة النظر في الموقف الحضاري العربي، وفي الحالة الراهنة للأيديولوجية العربية المعاصرة، وفي وضع العرب في نظام العالم الجديد الذي ما زال يتشكل حولنا وربما بدوننا.