تعلمت الولايات المتحدة ألا تترك الأحداث في المنطقة العربية تسير بالدفع الذاتي، فتجربتها مع الثورة التونسية التي أصابت دوائر صنع القرار في واشنطن بارتباك حالت دون إعلان موقف ولقيت انتقادات في المؤسسات الأميركية عكست نفسها بردة فعل سريعة ومفاجئة بعد أيام من الأحداث في مصر حين طالب الرئيس الأميركي نظيره المصري بالرحيل، وبعدها أصبحت الولايات المتحدة تتدخل بسرعة سواء بالموقف أو بالسلاح والأساطيل والطائرات أو حتى بالصفقات كما حدث في اليمين لكن الدرس ألا تترك لغيرها مبادرة التدخل. في سورية يبدو الأمر مختلفاً على عكس السلوك الأميركي في السنوات الأخيرة فليس هناك تدخل كالذي شهدناه في باقي الأحداث في دول ما أطلق عليه بالربيع العربي بالرغم من العدد الضخم للضحايا الذي فاق كثيراً عدد الخسائر في ليبيا قبيل التدخل الأميركي وبالطبع ليست هناك مقارنة مع الخسائر في مصر، الموقف الأميركي من سورية مدعاة للتساؤل. صحيح أن هناك توازناً دولياً حيث تقف روسيا والصين وإيران إلى جانب الرئيس الأسد، وفي المقابل تقف دول الخليج وفي مقدمتها قطر ودول أوروبا إلى جانب الجماعات المسلحة التي تقاتل في سورية بينما يغيب إلى حد ما الموقف الأميركي الحاسم، صحيح أن التوازنات الدولية مهمة ولكنها كانت نفسها قائمة تجاه ليبيا وذهبت الولايات المتحدة نحو العمل العسكري غير آبهة بموقف باقي الأطراف بل وسارعت إلى عقد صفقة مع روسيا لكن الأمر في سورية مختلف ويبدو أن المصلحة هذه المرة تتطلب إدامة الصراع في سورية أطول فترة ممكنة إلى الحد الذي لا يخرج منه أي من الأطراف المتحاربة هناك وكلما امتدت الحرب نالت من الأطراف التي تتمنى الولايات المتحدة غيابها تماماً عن المسرح الدولي وهي "البعث" و"القاعدة". فكلما طال أمد الحرب هناك ينهك كل منهما الآخر فقد دخلا في حرب إبادة حقيقية تضمن على الأقل إن خرج أي منهما أن يظل متأثراً بجروحه حتى الأبد، فلكل منهما حساب عسير مع الولايات المتحدة الأميركية، إذ يشكل كل من "البعث" و"القاعدة" خصماً جدياً للولايات المتحدة وللغرب سواء بالحصار أو بالملاحقة وهما الآن يتقاتلان وجهاً لوجه وكل يوم جديد يزف خبر مقتل عشرات من عناصر كل من الطرفين وفي ذلك ربما هدف يبرر عدم التدخل. فحزب البعث الذي يحكم سورية وبغض النظر عن التوافق أو الاختلاف في تقييم مسيرته لكنه أقام جيشاً قوياً حاول أن يشكل عنصر توازن مقابل إسرائيل والتي لم تخف ارتياحها لتحطيمه حيث اعتبرت ان هدية الربيع العربي لإسرائيل هي تدمير الجيش السوري، وللتاريخ فقد كان "البعث" بفرعيه السوري والعراقي جزءاً أصيلاً من ثقافة مقاومة ورفض إسرائيل وفي السنوات الأخيرة كان من الواضح أن دمشق هي العاصمة التي احتضنت المقاومة وفصائلها ضد إسرائيل سواء الفلسطينية أم اللبنانية وقد رفضت القيادة السورية طرد حركتي حماس والجهاد الإسلامي من أراضيها مقابل إغراءات رفع الحصار عنها، وسيذكر التاريخ أن لولا سورية لما تمكن "حزب الله" من الصمود في وجه إسرائيل خلال عدوانها الأخير وأن الصواريخ التي وصلت إلى عمق المدن الإسرائيلية هي صواريخ سورية، كل هذا جعل الحساب مفتوحاً مع سورية وكان لا بد وأن يأتي يوم الحساب. أما "القاعدة" وهي العدو الأول للولايات المتحدة ليس فقط بسبب ضرب برجي التجارة العالمية، بل أنها تمكنت من تشويش خطط الولايات المتحدة في البلدان التي دخلتها القوات الأميركية مع وعود بالديمقراطية والاستقرار سواء في أفغانستان أو العراق فقد حالت اعتداءات "القاعدة" وما ارتكبته من تفجيرات من تمكين نماذج الحكم المدعومة والمقامة بعد دخول القوات الأميركية من إقامة نظم مستقرة، وبمعنى أو بآخر فقد أعاقت استكمال خطط الولايات المتحدة والتي تخشى من تكرار نماذج الاجتياحات والدليل إيران فقد أصبحت حساباتها مختلفة ولم تعد تستسهل الأمر. حين تفجرت الأوضاع في سورية وخاصة بعد أن تحولت من ثورة شعبية بريئة إلى مجموعات مسلحة تحظى بدعم إقليمي في مقدمته قطر شهدت سورية ظاهرة المقاتلين العرب الذين جاؤوا ليقاتلوا "لتحرير سورية" وهم من المجموعات المتماثلة فكرياً مع "القاعدة"، أكثر أو أقل، .. أكثرها انسجاماً هي جبهة النصرة وتتدرج في التطرف بدرجة أو بأخرى منظمات مثل كتائب أحرار الشام واتحاد ثوار حمص وجبهة تحرير سورية وكتائب صقور الشام وكتائب الفاروق فقد استقطبت سورية معظم القاعديين في الوطن العربي وأصبحوا داخل الحدود السورية، تركوا البلاد التي تريد الدول الغربية فيها نوعاً من الاستقرار وبدا كأنهم وقعوا في المصيدة السورية فما الخسارة أن تمتد الحرب ويتكفل بقتلهم نظام الأسد فهو يملك ما يكفي من الجيش والعتاد للقيام بتلك المهمة. وعلى الجانب الآخر شكلت سورية في ظل "البعث" نظاماً كان عصياً على التدجين كباقي نظم المنطقة وكان بحاجة إلى ضربة بقوة حد النزيف لتصفية حساب التاريخ الطويل معه فما المانع أن تمتد الحرب وتتكفل المجموعات السلفية والقاعدية بتلك المهمة وخاصة أنها في طريقها ستدمر الجيش السوري وهو جيش قوي بمقاييس الجيوش في المنطقة وقد سبق وأن دخل في حروب مواجهة مع إسرائيل وخصوصاً حرب أكتوبر قبيل ثلاثة عقود ومجزرة الدبابات أثناء حرب بيروت ولدى إسرائيل رغبة شديدة بانهيار هذا الجيش الذي شكل مع الجيش العراقي مركز قوة في الشرق فالأخير انتهى بالحصار وغزو بغداد والسوري ها هو يتحطم وهو يواجه مجموعات وليس مدرباً على حرب العصابات. إذن، خصمان حقيقيان يواجه كل منهما الآخر بشراسة، بقتل وقتل مضاد، وحدات من الجيش السوري قتلى ضربات يومية وعلى الجانب الآخر عشرات من المسلحين المؤيدين للقاعدة من سوريين ومصريين ولبنانيين وتونسيين من الذين يشكل فكرهم خطراً على مصالح الدول العظمى بالمنطقة، وقد أصبحت سورية مصيدة كبيرة لهم وقد تنتهي الحرب بإبادتهم وبناء عليه فلماذا الإسراع بالتدخل لإنهاء الحرب طالما أنه بقي لدى الطرفين ما يكفي من القوة فالمطلوب أن تنتهي الحرب بسحق الجيش السوري وحزب البعث والقاعدة وهذا يتطلب إدامة الحرب ومد طرفيها بالأسلحة فهل هذا ما يحدث؟. Atallah.akram@hotmail.com