تجذبني عادة المصطلحات "الشاردة" المتداولة لكن غير العادية، توقفت في السابق أمام مصطلح تستخدمه عادة الصحافة العبرية، حيث تستخدمه بكثرة في كثير من الأحيان، وهو مصطلح "انه مكتوب على الجدار" للدلالة على أن الأمر بات معروفاً للقاصي والداني، ذلك أنه مكتوب على الجدار وبإمكان كل الناس التعرف عليه، ويمكن بالتالي توقع ما هو آت من خلال حدث ما، فالأحداث اللاحقة معروفة، لأن الأمر "مكتوب على الجدار". على مستوى "الربيع العربي"، يمكن القول إن الأمر بات مكتوباً على الجدار، نظراً لتجارب ونماذج تكاد تكون متشابهة لدى الدول العربية التي باتت تحت مسمى "الربيع العربي"، فرغم عدم التشابه في هذه التجارب، إلاّ أنه بالإمكان ملاحظة ما يجمع بين هذه التجارب، على الأقل لناحية وصول الإسلام السياسي إلى السلطة عبر صناديق الاقتراع، رغم أن فصائل هذا الإسلام السياسي لم تشارك ـ بفعالية على الأقل ـ في ثورات "الربيع العربي"، بل إن هناك تشابهاً، أيضاً، في وصف وصول هذه الفصائل والأحزاب إلى السلطة باعتباره سرقة، ولأن الأمر "مكتوب على الجدار" كان سلوك هذه القوى في بلدانها المختلفة، يكاد يكون واحداً، الاستيلاء على مقاليد السلطة وإعمال يد التغيير المجتمعي والسياسي والحقوقي والقضائي، لصالح أفكار وبرامج هذه الجماعات، وما يقال عن "الأخونة" في جمهورية مصر العربية، يمكن ملاحظته في كل من تونس وليبيا، وإن اختلفت المسميات. إنه مكتوب على الجدار، ففي مصر، كانت الخطوة التي أبعدت المجلس العسكري وإقالة قائد القوات المسلحة، وقائد المخابرات العامة، قد تلت أحداث سيناء التي ذهب ضحيتها 16 مجنداً مصرياً، والآن، وفي مصر، أيضاً، يقال إن أحداث تسمم طلاب جامعة الأزهر، ستؤدي إلى مساع محمومة تهدف إلى إقالة شيخ الأزهر واستبداله بشيخ إخواني، إنه مكتوب على الجدار، كل خطوة بات من المتوقع خطوات تليها في سياق بات أكثر وضوحاً مع تكرار التجربة. كنت أتحدث مع أصدقاء عن مصطلح "إنه مكتوب على الجدار"، مع بعض الأصدقاء، أحدهم قال إن الأمر يمكن أن يتجاوز المصطلح العبري إلى مصطلح عربي، وقال شارحاً: إننا من مرحلة "مدرسة المشاغبين" تلك المسرحية المصرية المعروفة، والتي حفظناها عن ظهر قلب نظراً لتكرار مشاهدتها، بل إننا كنا نحتفظ بأشرطتها المصورة، وعادة ما كنا نضحك حتى قبل أن يتفوه أحد أبطالها بنكاته وقفشاته، إن ما يجري ـ يقول هذا الصديق ـ وكأننا نشاهد "مدرسة المشاغبين" كل شيء بات معروفاً والخطوات اللاحقة باتت مؤكدة، وربما الفارق، أننا لا نملك القدرة على الضحك، ذلك أن الأمر بات تراجيدياً مأساوياً وليس كوميدياً، مع ذلك تبقى "مدرسة المشاغبين" نموذجاً لمتابعة أحداث "الربيع العربي" في تجارب تلك الدول التي أثمرت وصول الإسلام السياسي إلى السلطة فيها، فكل حدث، يمكن التنبؤ بالأحداث التالية له، لكن كلها تشير إلى أن الإسلام السياسي، لا يقبل الشراكة ولا المحاصصة، ولا الالتزام بشعاراته التي كان قد رفعها بقوة قبل أن يتسلم السلطة. وإذ نجحت "مدرسة المشاغبين"، في جمهورية مصر العربية، نجاحاً باهراً من حيث قدرة "الجماعة" على اتخاذ خطوات جدية تهدف إلى أخونة الدولة كما المجتمع المصري، وبات بالإمكان التنبؤ بالخطوات اللاحقة لأي حدث، فإن الأمر على خلاف ذلك في التجربة التونسية، ليس لأن حركة النهضة التي فازت بأكثر من ثلث الأصوات في البرلمان بعد الثورة فهي لا تقل طموحاً ورغبة في فرض مفاهيمها الدينية والمجتمعية وفرض سيطرتها على مؤسسات الدولة من "الجماعة" في مصر، إلاّ أن الفارق الأساسي بين التجربتين، المصرية والتونسية، يتجلى في وجود مجتمع مدني حي وقوي نسبياً في تونس، وتقاليد وقوانين شكلت إنجازاً كبيراً للمجتمع التونسي إضافة إلى أحزاب أكثر تنظيماً وتجربة من نظرائها في مصر، والأهم من ذلك، مجتمع بات أكثر حرصاً على التمسك بإنجازاته، خاصة في الإطار المتعلق بقضايا المرأة، الأمر الذي يجعل من "مدرسة المشاغبين" في تونس غير مؤهلة للانتقال من هذا المجتمع إلى آخر تسوده مفاهيم جماعة النهضة التي بدورها، شكلت مفاجأة بفوزها في الانتخابات التشريعية، رغم عدم مشاركتها الفاعلة في ربيع الثورة التونسية. وعلى سبيل المثال، تمسكت حركة النهضة أثناء إعداد الدستور بهوية إسلامية الدولة، وان تكون الشريعة الإسلامية، المصدر الوحيد للتشريع، إلاّ أنها جوبهت برفض مجتمعي، خاصة من قبل القوى العلمانية، بحيث تم الاتفاق على هذا الفصل كما كان الأمر عليه في الدستور القديم: "تونس دولة حرة مستقلة ذات سيادة، الإسلام دينها، العربية لغتها، والجمهورية نظامها". ولأن تخاض معركة دستورية، حول رغبة جماعة النهضة في منح "الهيئة الشرعية" وصفاً دستورياً في الدستور الجديد، حيث ترفض القوى المدنية والأحزاب العلمانية، منح هذه الهيئة أية صفة دستورية، خشية من أن تستحوذ على الإشراف على المؤسسات الدينية والتأثير على صياغة القوانين اللاحقة، وإخضاع المجتمع لمفاهيم جماعة النهضة الدينية والمجتمعية. في الجانب السياسي، ترى الأحزاب المدنية، بضرورة أن ينص الدستور على تحريم التطبيع مع إسرائيل، حركة النهضة ترفض ذلك مشيرة على لسان السحبي عتيق، رئيس كتلة النهضة بالتأسيس التونسي، أن حركة حماس نصحت أثناء زيارة هنية ومشعل لها لتونس بعدم النص في الدستور التونسي الجديد على ذلك في حين ان القوى القومية واليسارية والتقدمية تصر على ان ينص الدستور على ذلك صراحة. يشار بهذا الصدد، أن جماعة النهضة كانت في السابق تصر على أن ينص الدستور على تجريم التطبيع، كما أقر مؤتمرها التاسع هذا الأمر، إلاّ أنها عادت لتصر على أن يتجاوز الدستور الجديد النص على تجريم التطبيع!! Hanihabib272@hotmail.com www.hanihabib.net