لكي لا يفهمني احد بشكل مغلوط ، ليس هناك فرق بالنسبة لي بين غزة و اي مكان آخر في فلسطين التي قدمت و ما زلت زهرت شبابي و ربيع عمري من اجلها ، و لكن ما تعانيه غزة، ليس فقط من الاحتلال و اجتياحاته، و من حصاره و مضايقاته ، و من الانقسام و تبعاته بل ايضا و للاسف الشديد من ذوي القربى الذين من المفترض ان يخففوا من معانيات اهلها و يعززوا صمودهم، اولئك الذين حملتهم غزة دوما على اكتافها ووضعتهم في حدقات عيونها. حتى مهرجان المليون انسان من اهل غزة الذين صرخوا يعلنون بأعلى صوتهم انهم ضد الانقسام و هتفوا لفتح و لمنظمة التحرير و للشرعية الفلسطينية لم تحرك مشاعر يبدوا انها ماتت منذ زمن لدى الكثيرين من اصحاب الشأن و القرار.الصحيح ان كل الشعب الفلسطيني من الناحية العملية ما زال يخضع للاحتلال و ان المعاناة لا تقتصر على منطقة جغرافيه واحدة دون سواها و ان كان بنسب متفاوته، و لكن ما تتعرض له غزة و اهلها ، خاصة من ذوي القربى يفوق كل تصور.لقد صُدم الالاف من موظفي السلطة ، عسكريين و مدنيين عندما اكتشفوا ان رواتبهم او جزء منها تم اقتطاعه لصالح شركة الكهرباء الخاصة ، في غالبية الاحيان بشكل ظالم و دون وجه حق. هذه الخطوة المجردة من اي احساس بالمسؤولية شاركت فيها سلطة الطاقة الفلسطينية ووزارة المالية، تآمروا على الموظف لصالح شركة الكهرباء الخاصة. لو حدث هذا الامر في دولة تحترم نفسها و تحترم موظفيها و حقوقهم لتم تشكيل لجنة تحقيق سيكون نتيجتها حتما اقتلاع كل المسؤولين الذين شاركوا في هذا الاجراء . الغريب في الامر ان الكل تنصل من المسؤولية بما في ذلك السيد الرئيس و رئيس الوزراء.في نفس اللحظة اقدمت وزارة المالية على اجراء قهري آخر تجاه موظفي غزة طال حوالي ثلاثة آلاف موظف لم يستيطعوا تلقي رواتبهم الى ان يعملوا على تحديث بياناتهم، و حتى بعد ان حَدث جزء منهم بياناته هذا الشهر لم يستطع الحصول على راتبه. ما الذي يمكن فهمه من هذه الخطوة؟ هل هناك من يعتقد ان موظفي غزة الذين ليسوا على رأس عملهم و بطلب من مجلس الوزراء يجب ان تتوقف وزارة المالية عن دفع الرواتب لهم بعد ان تم توقيف الترقيات و العلاوات و المواصلات و الهيكليات ، و فقط هذه الخطوة الاولى للوصول الى هذا الهدف؟ هل هناك حقا من يشعر ان غزة لا فائدة منها من الناحية المالية و هي عبئ ثقيل على وزارة المالية يجب التخلص منه بكل اللاعيب و الحيل؟ هل هناك من يعتقد ان حل الضائقة المالية للسلطة يأتي من خلال قطع رواتب موظفي غزة او تقليص فاتورة الراتب الى الحد الادنى الممكن؟ لكي نسمي الاشياء بمسمياتها يجب ان لا يلومكم احد، فأنتم مجرد موظفين سواء كنتم تنفذون سياسية او تصرفتم بشكل منفرد ، و المسؤول عنكم المباشر هو وزير المالية يلية رئيس الوزراء و المسؤول عن الجميع هو الرئيس عباس.بعد ان خرج اكثر من ثلثي غزة حاملة اعلام فلسطين و اعلام فتح التي من الفترض هي صاحبة السلطة في الضفة كان هناك توقع ان تصحح القيادة الفلسطينية سياستها تجاه هذا الجزء الهام من الوطن من خلال اتخاذ بعض الخطوات التي تخفف من معانيات الناس. كان هناك توقع ان يصدق القول بحل مشكلة تفريغات 2005 الذين تم تجريدهم من اعتماداتهم المالية دون وجه حق فقط من اجل تقليص فاتورة الرواتب على حسابهم، فقط يصرف لهم ما بين الف و الف وخمس مئة شيقل في حين ان غالبيتهم يعيلون عائلات . كل النداءات حتى الان تصطدم بآذن صماء او بآجابات مراوغة على الرغم ان المبلغ المطلوب لحل هذه المشكلة هو مليون دولار شهريا. هل هذا كثير على حل مشكلة اكثر من ثمانية آلالاف عائلة.سأقترح عليكم من اين توفرون هذا المبلغ و اكثر منه. اصدروا امرا بألغاء كافة النثريات و الامتيازات التي يحصل عليها المستشارين و التي تصل شهريا الى عشرة آلالف دولار على الاقل للشخص الواحد ، و من يريد ان يكتفي براتبه الشهري الذي لا يقل عن ثلاثة آلاف دولار كان بها و من لا يعجبه ستجدون من هو اكثر منه كفاءة و مستعد ان يعمل مكانه مجانا. لا تنسوا ان يتم التوقف عن تغطية اجرة السكن و رسوم الاولاد في المدارس و المحروقات التي تغطي كل سيارات الاولاد و البنات لان هذا يستطيع ان يحل مشكلة المئات من هذه التفريغات.قلصوا عدد المرافقين للوزراء و المسؤولين و عدد سيارات المفارقة ، ولكن قبل ذلك ايضا امنعوا ان يسير المرافقين و ابناء المسؤولين هم ايضا مع مواكب و مرافقين . هناك وزراء لوزارات هامشية لديهم عدد مرافقين و سيارات مرافقة اكثر من وزراء دفاع في دول عظمى. من يشعر بجنون العظمه او يهمه "البرستيج" العالي بأمكانه ان يستعين بشركات خاصة لاشباع رغباته و لكن ليس على حساب الناس. تشاطروا على هؤلاء و لا داعي للتشاطر على من هم على استعداد للتضحية بأنفسهم من اجل الوطن و قضيته العادله.خلاصة القول ايها السادة ، التعامل مع غزة يجب ان لا يكون من خلال الالة الحاسبة، لان وطن بدون غزة لا معنى له و قضية بدون غزة لا لون لها ، ما زال هناك وقت لتصحيح ما ارتكب من اخطاء.Dr.sufianz@gmail.com