خبر : بعد مقتل ميسرة أبو حمدية ... طفح الكيل ..بقلم: حسين حجازي

السبت 06 أبريل 2013 03:38 م / بتوقيت القدس +2GMT
بعد مقتل ميسرة أبو حمدية ... طفح الكيل ..بقلم: حسين حجازي



تصدمنا الطريقة التي قتل بها هذا الفدائي القديم، من زمن كتيبة الجرمق الطلابية، و"فتح لاند" في جنوب لبنان. تصدمنا هذه الطريقة بقدر ما تثير الغضب فينا، شيء ما أشبه بشعور الثكل الجماعي لشعب ينكل به، من لدن قوة متغطرسة عمياء، يبدو أحياناً كما لو أنه لا حول ولا قوة له على القصاص منها، ودونما انتظار مغيث، حدوث معجزة ما تخلص هذا الشعب الضحية من بين أنيابه. شيء ما يشبه مرارة الهزيمة القاسية كما لو أن الأحداث التي تجري أمام ناظرينا وتحت عدسة الزووم الأضخم في التاريخ لوسائل الإعلام والمعلوماتية، الاتصال الجماهيري، تحدث كمشاهد من عصور قديمة مظلمة، كان لا يزال البشر يرزحون فيها تحت أغلال الوحشية أو الحقبة البربرية، حيث يقتل الأسرى في أقبية القلاع المعتمة دون رحمة. هذا الفدائي الأسير الشيخ في الرابعة والستين ميسرة أبو حمدية، ترنح أمامنا في أغلال الموت، مقيداً حتى شهقة الموت الأخيرة، دون أن نستطيع أو نقدر على إنقاذه من بين براثن الوحش، من عصر"الكوليزيوم" يجدون اللذة السادية في إلقاء أسراهم إلى حتفهم الأخير أمام الوحوش الكاسرة. لا فرق في الزمن والمشهد، فلا يزال "الكوليزيوم" إلى يومنا هذا شاهداً يذكرنا بقوة استعمارية غاشمة كانت تتلذذ بقتل أسراها ويضفي هذا المدرج الباقي والمهيب طابعاً من الحضارة على وحشيتها. ليس هذا الشعب الذي جرى تجميعه على عجل وفي غفلة من التاريخ، جديراً بالبقاء والعيش على محور الزمن في هذه الأرض، ما دام هذا الشعب يقيم حريته على حساب حرية وكرامة شعب آخر. هكذا سيكتب فردريك انجلز رفيق ماركس نبوءته في مستهل تحول الرأسمالية إلى عصر الاستعمار قرب نهاية القرن التاسع عشر. حيث أبدى انجلز إعجابه بالثورة المهدية في السودان ضد حكومة بلاده الاستعمارية بريطانيا هذه التي أخرجت فيما بعد جثة المهدي وجمجمة رأسه من القبر ونكلت بها. هذا رجل لم يخرجوا جمجمة رأسه من القبر ولكنهم نكلوا بكل أنحاء جسده قبل أن يرسلوه إلى القبر. لأنهم لم يحتملوا قوة جسارته، عناده وبطولته وانتصاره عليهم على مدى أربعين عاماً، فحاكموه مرتين، قبل أن ينكلوا بجسده حياً ويقتلوه. ليقتلوا فيه رمزية الفدائي في الذاكرة والتاريخ. فدائيو ياسر عرفات الذين قهروا خيال العدو المريض. كل قوة استعمارية هي جماعة مريضة بمرض فاسد ليس له علاج. حيث يلاحقهم الشعور الذي يشبه نوعاً من الوسواس القهري، بأنهم مهددون طوال الوقت في بقائهم، وانهم لم يقضوا تماماً على أفراد كتيبة الجرمق في جنوب لبنان، كما على كتائب عز الدين القسام في غزة بعد حربين من الرصاص المصبوب. عدو بعد ستين عاماً لم يتحول من اعتماد القوة الصلبة القاسية إلى القوة الناعمة، لأنه لا يشعر في قرارة وعيه انه يملك خياراً آخر غير القوة الصلبة للبقاء. هكذا سوف يكتب موشي يعلون أحدث وزراء الحرب على صفحته في الفيس بوك، لن يتأخر في الرد على كل قذيفة تصدر من غزة أو سورية أو لبنان. دون التريث أو حساب ردود الفعل والنتائج. بإمكان دولة كأميركا أن تحدث هذا التحويل في التفكير الاستراتيجي بعد فشلها في حربين لكن في اسرائيل ليس اليوم ثمة من يطرح في مؤتمر هرتسيليا مثل هذه المقاربة بالإقدام على مثل هذا التحويل في التفكير الاستراتيجي. فحينما تدخل الدول في عمر الشيخوخة فإنها تبدو أكثر ميلاً للتمسك بتقاليدها الطائشة والمغرورة القديمة، خوفاً من التغيير، ولكن هنا عند هذه اللحظة الفاصلة والأزمة من انعدام القدرة على التكيف أو تجديد الشباب نكون إزاء الدخول في عتبة الموت أو الاندحار. "لا تجعلني أتصلب لكيلا انكسر" فهل هذا ما قصده هنري كسنجر حين تحدث عن اسرائيل وما حاول باراك اوباما في زيارته الأخيرة وخطابه للشعب الاسرائيلي التحذير منه، تحذير الشعب لأن الساسة لا يعقلون. نحن بالفعل نقف الآن عند هذه النقطة من عدم القدرة على الاحتمال أو طفح الكيل. فماذا تبقى لنا إذا كانت عراقة وأصالة تقاليدنا نحن أقدم شعب عاش على هذه الأرض، الفلسطينيون الذي جاء ذكرهم حتى في التوراة ولم يأت على ذكر دولة اسمها اسرائيل، تحول بيننا ومواصلة تحمل هذه الإهانة، إهانة الشعب الفلسطيني فإن الشعب الفلسطيني سيثأر آجلا أم عاجلاً لكرامته، وعندئذ حين تقوم الساعة، لن يكون الحساب على هذه الفاتورة المتطاولة، كما تحسب اسرائيل أو تتوقع، لأن مثل هذه التحولات الكبيرة التي يحركها دافع عظيم، انفعال بطيء ولكنه عميق، يخرج عادة عن جميع الحسابات أو التقديرات. ولقد أوغل العدو عميقاً في إهانة الشعب الفلسطيني. عدو يظهر من الطيش والتفاهة أكثر مما يحتمله العقل أو المنطق. عدو لا يدع لنا مخرجاً، ويبلغنا بالرسالة كل يوم: ماذا تنتظرون؟ هذا هو قوام الوضع. هذا السؤال هو محك الحقيقة لاختبار مدى قدرتنا تطوير رد يضع حداً لاستهزاء عدونا بكرامتنا. وإذ لا يمكن فصل قضية كرامة الإنسان عن الأرض، فإن الرد الفلسطيني يجب أن يكون على نحو استراتيجي وشامل يستجمع في إطاره مجموع طاقة الفلسطينيين ككل. وهو ما يعني في الوضع الراهن لعب جميع أوراق القوة التي نملكها بصورة متداعمة. فالاحتلال يراهن على سكوتنا وعجزنا أو ترددنا وقلة حيلتنا أو ما يبدو كذلك. وعلينا اليوم عند هذه اللحظة أن نثبت له خطأ رهاناته أو حساباته، ولنمتلك الجرأة والشجاعة وقبل ذلك الثقة بأنفسنا وبخطواتنا بأنه يمكننا ونستطيع بالاعتماد على أنفسنا تحقيق النصر.إذا كان العدو أراد من قتل هذا المناضل العتيق ميسرة أبو حمدية أن يقتل في وعينا حقبة بطولية من تاريخنا كانت تمثل بحق رداً لا على بؤس شقائنا بعد النكبة بل على هزيمة أمة بأكملها في العام 1967. لقد كان هذا الشهيد واحداً من أولئك الجنود المجهولين الذين حققوا هذا الرد. والذين طالما ظل عرفات يلوح بإصبعيه شارة النصر باسمهم، ويردد ثورة ثورة حتى النصر.