مرة أخرى تعيد قطر خربطة الأوراق وذر الرمال في العيون من خلال طرح فكرة عقد قمة عربية للمصالحة الفلسطينية. وفيما يبدو الاقتراح بسيطاً وسهلاً إلا أنه ليس كذلك. ويمكن لرصد التعليقات عليه وردود الأفعال أن تكشف حالة الإرباك وعدم الوضوح في تبني موقف منه خاصة ان أوساطاً في "فتح" في مستويات قيادية مختلفة رحبت به في البداية قل ان يتم تطوير الموقف الآخر الذي نظر للامر بريبة واستطاع ان يفهم ما بين السطور. فالقصة ليست قصة مؤتمر وقمة وأي شيء آخر بل إن خلف الاكمة ما خلفها. فقطر تعود مرة أخرى كما تفعل بين فينة واخرى لمحاولة التدخل في ترتيب البيت الفلسطيني وفي التأثير على عملية الترتيب تلك بطريقة غير محايدة. المؤكد أن استطلاعاً للرأي يجري في أي مدينة او مخيم او بلدة يمكن له ان يقود إلى خلاصات بديهية في هذا المجال. فلو سئل الناس عن رأيهم في التدخل القطري وفي ماهيته وغاياته فإن الاجابة ستكون مُدينة لقطر. فالناس لا يعتقدون ولو من باب الظن أن غايات قطر حقاً وطنية وأن قطر حقاً تدعم المقاومة وتعادي إسرائيل وتريد تحرير فلسطين. ثمة انطباع يرقى للاعتقاد في الشارع الفلسطيني بأن غايات قطر غير نبيلة في كل مواقفها في الصراع وفي الاشتباك الداخلي. ولا يلام الناس عادة على مواقفهم بل يلام من اعطاهم هذا الانطباع ومن جعلهم يعتقدون بذلك. إن مجموع المواقف القطرية سواء من الصراع مع إسرائيل والعلاقة الحميمية التاريخية مع واشنطن والقواعد العسكرية لواشنطن على أرض قطر او العلاقة الدافئة مع تل أبيب والمكتب التجاري هناك، كل ذلك لا يمكن له أن يستقيم مثلاً مع الادعاء بدعم محور الممانعة بكلمات أصحاب المحور والوقوف خلف كل من ينتقد إسرائيل وواشنطن. لسنا بوارد تحليل الدور القطري والدولة الوظيفية وهو بات شائعاً في الممارسة السياسية ولكن من المؤكد ان هذا الدور يظهر للسطح في كل مرة يتم فيه استحضار أي موقف لقطر. وفي العودة للطرح القطري بعقد قمة عربية للمصالحة فإنه من الصعب أخذ مثل هذا الموقف بحسن النوايا لجملة من الأسباب. فقطر المهتمة كثيراً بالمصالحة كما تقترح هذه المبادرة كان الأجدر بها أن تقوم بواجباتها الأساسية تجاه المصالحة. فهي قد رعت محادثات وأشرفت على توقيع اتفاق للمصالحة عرف باتفاق الدوحة ليس قبل زمن بعيد. اتفاق اعتقد في حينه أنه سينهي الانقسام المرير. كطرف راع فإنه تقع على قطر مسؤولية التدخل لدى الأطراف الموقعة ومتابعة تنفيذ الاتفاق. بالطبع إن التذكير بتفاصيل الانقسام مريرة أيضاً ولكن المؤكد ان قطر تعرف من المعطل لتنفيذ اتفاق حمل اسمها. وعليه فإن مسؤولية قطر الأساسية تكمن في الضغط على الطرف المعطل من اجل أن يتكفل بما تعهد به امام شيوخها وتحت رعايتهم قبل وبعد ان يولموا له محتفلين بانجازهم. اما ما عدا ذلك فليس إلا تضييعاً للوقت. لكن النظام العربي العاجز لن يستطيع ان يجبر طرفاً على تحمل مسؤولياته ليس لأن الله لا يغير بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ولكن لأن حالة الشلل التي تمر بها الامة العربية والتوتر الذي يسيطر على الأقليم تجعل الجعجعة اهم من الطحن. الامر الآخر ان القمة القطرية المقترحة لن تقود لشيء أكثر من ترسيخ الانقسام وتجسيده ومأسسته وجعل مكان له في المؤسسة العربية. انظروا المسرحية الموليرية (نسبة لمولير الكاتب الفرنسي) الساخرة التي تم فيها تنصيب معاذ الخطيب في القمة العربية. بالطبع لست بأي حال مع بقاء النظام السوري بل مع إزالته ولكن هذه قضية أخرى. مبكراً قبل خمس سنوات كتب الزميل محمد أبو دقة دراسة في مجلة "سياسات" اقترح فيها ان صراع "حماس" ليس على مقاعد ولا على وزارة بل هو صراع تمثيل فـ"حماس" تريد أن تحتكر التمثيل الفلسطيني وان تخطفه من منظمة التحرير. وبعد ذلك ظهرت شواهد هذا جلياً ليس في التنافس على حضور المؤتمرات والمزاحمة حول طاولة الامراء بل تعداه لتطوير مفهوم دولة غزة وتمثيلها وغير ذلك. إن المقترح القطري عملياً يصبغ على الانقسام الفلسطيني شرعية عربية ويصبح للفلسطينيين مقعدان حول الطاولة العربية. القصة ليست بحاجة لقمة ولا لشيء، بحاجة لإرادة عربية وقطرية تحديداً بوضع حد لحالة التبني والوصاية التي تفرضها بعض النظم العربية على بعض التنظيمات السياسية وخاصة "حماس" والقول لها هذا الانقسام يضر بالمصالح العربية وليس بالفلسطينية فقط. حالة التبني والرعاية تلك هي ما يطيل عمر الانقسام وليس المواطن الفلسطيني ولا القيادة الفلسطينية التي تدرك تأثير هذا الانقسام على صورة الفلسطيني في العالم. في هذا العالم الذي يضرب به مواطن أرجنتيني عن الطعام تضامناً مع الأسرى ولا يتوحد الفلسطينيون خلف الأسرى حتى. الانقسام يعم المجتمع العربي برمته ولا تخلو دولة عربية من اعراضه حتى قطر التي تظن نفسها فوق شبهته. وسيكون الطرح القطري في موضعه لو تم تعميمه على الحالة العربية. ففلسطين ليست وحدها من تعاني من وجود برنامج بديل للمشروع الوطني فجل الدول العربية لديها تنظيمات إسلامية لا تعترف بالدولة الوطنية وتتجاوز احلامها مفاهيم هذه الدولة لتلامس الامة الأشمل والأعم وبالتالي فإن تلك التنظيمات تعمل على هدم الدولة الوطنية وتقويض بنيانها. هكذا يمكن لتونسي ان يطلق امرأته كي يسمح لها بالجهاد في سورية، وهكذا يمكن أن يتحول الربيع العربي إلى صراع بين الإسلاميين والوطنيين او القوميين من أجل السيطرة. وهكذا يمكن لجيوش الخليج أن تتحرك لحماية المنامة تظاهرات المطالبين بالديمقراطية. المؤكد أن الحالة العربية تعاني من انقسام شديد وهي فعلاً بحاجة لدراسة معمقة في محاولة للخروج بأفضل الحلول. فالقصة لم تعد مجرد صراع على عملية ديمقراطية او عثرات في عملية تحول ديمقراطي، بل انها حقاً انقسام حاد في النظم السياسية وفي المقاربات الفكرية التي ينطلق منها كل فريق ستترك أثرها على استقرار النظام السياسي العربي لعقود قادمة. هكذا يصبح المطلب القطري مشروعاً على قاعدة دعوة النظم العربية الحاكمة والمعارضات المختلفة لها وبالطبع على الامير القطري أن يجهز مقاعد للمعارضة القطرية ولكتائب الحق بجواره حتى يكتمل مشهد المصالحة العربية وتصبح حقاً قمة عربية حقيقية وليست كذبة نيسان.