خبر : مصر على حافّة الكارثة ...أحمد أبو المعاطي:

الأحد 31 مارس 2013 09:45 م / بتوقيت القدس +2GMT
مصر على حافّة الكارثة ...أحمد أبو المعاطي:



تمضي مصر بخطوات متسارعة نحو موجة غير مسبوقة من العنف السياسي، يتخوف كثيرون من أن تتجاوز حدودها الآمنة، على غرار ما جرى في ثمانينات القرن الماضي، وما شهدته البلاد خلالها من عمليات بلغت حد الاغتيال، نفذتها قوى محسوبة على تيار الإسلام السياسي، لم تفلح الإجراءات القمعية والاستثنائية، التي لجأ إليها نظام مبارك في وقفها أو السيطرة عليها، فما البال وقد أصبحت هذه القوى اليوم شريكة في الحكم، أو على الأقل حليفة للنظام الحاكم؟   ويتخوف كثير من المراقبين من أن يؤدي ذلك الارتفاع اللافت في وتيرة الاحتقان بين قوى التيار الإسلامي، وفي القلب منها جماعة الإخوان من جهة، وبقية القوى المدنية، وفي مقدمتها الحركات والائتلافات الثورية من جهة أخرى، إلى انفجارات لا تحمد عقباها في بلد منهك، على خلفية ما شهدته دروب جبل المقطم الجمعة الماضي من عنف، بلغ حد “حرب الشوارع” بين الفريقين، ما أسفر عن سقوط عشرات الجرحى من الجانبين .   المشاهد التي عاشتها مصر على مدار الأسبوع الماضي، والتي بلغت ذروتها بإعلان قوى إسلامية حصاراً جديداً لمدينة الإنتاج الإعلامي، وما صاحب هذا الحصار من اعتداء ممنهج على سياسيين وصحافيين وإعلاميين، بتحطيم سياراتهم ومنع آخرين من الدخول، تنذر بمخاطر مفزعة، خاصة أنها جاءت متزامنة مع تهديدات صريحة أطلقها الرئيس مرسي، توعد خلالها من يثبت تورطه من السياسيين  من غير جماعته بالقطع  في التحريض على الأحداث التي جرت يوم الجمعة في جبل المقطم، ب”الملاحقة مهما كان مستواهم” .   بدا الرئيس في كلمته القصيرة التي ألقاها خلال افتتاح مؤتمر المرأة المصرية، الذي دعت إليه مؤسسة الرئاسة في اليوم التالي للموقعة، أشبه ما يكون ب”مشروع ديكتاتور”، عندما تجاهل على نحو لافت أسباب ما جرى في المقطم بالقرب من المقر الرئيس لجماعة الإخوان، واستخدم مجدداً “لغة الأصابع”، مهدداً جميع القوى السياسية بعدم توفير ما وصفه ب”الغطاء السياسي”، لأعمال العنف والشغب التي تشهدها البلاد، وملوّحاً في الوقت ذاته باتخاذ إجراءات استثنائية، إذا ما دفعه تصاعد الأحداث إلى اتخاذ ما يلزم لحماية الوطن، “وأخشى أن أكون على وشك أن أفعل” .   بدا كل شيء في مصر على مدار الأيام الماضية مرتباً، وعلى نحو يبعث على الريبة، إذ استبقت الجماعة تهديدات الرئيس المباشرة لقوى المعارضة، ببلاغ تقدمت به إلى النائب العام قبل تظاهرات جمعة “رد الكرامة” حمّلت فيه مسبقاً، رؤساء أحزاب معارضة ونشطاء مسؤولية ما قد ينتج عن هذه التظاهرات من عنف، قبل أن يؤكد مرسي لاحقاً، أنه لن يسمح بأي تجاوز للقانون، من مؤيد أو معارض، “إذا ما تعرض أمن الوطن والمواطن للخطر” .   ربما لم يكد يدر بخلد أكثر المراقبين تشاؤماً أن تصل الأمور بتداعياتها، إلى حجم ما جرى بالقرب من المقر الرئيس لجماعة الإخوان الجمعة الماضي، إذ جسدت مشاهد العنف التي جرت على مدار اليوم، نذر احتراب أهلي لا تخطئه عين، وقد تمثل ذلك ليس في عمليات الاحتجاز المتبادل للأسرى من الجانبين فحسب، وإنما في ما أقدم عليه الفريقان من تنفيذ عملي لخطط كر وفر، بدت أقرب ما تكون إلى “التكتيكات الحربية”، استخدمت فيها خرائط وفرق استطلاع وكمائن، فضلاً عن مختلف أنواع الأسلحة المستخدمة في القتال بما فيها قنابل الصوت والأخرى المسيلة للدموع وطلقات الخرطوش، وهو ما كان يعني عملياً أن مصر باتت تسير  وبخطى واسعة  إلى سيناريو الميليشيات المتقاتلة التي قد تؤدي بين عشية وضحاها إلى اندلاع حرب أهلية، تغيب فيها دولة القانون إلى الأبد، وتستباح فيها الحرمات ويصبح القتل على الهوية .   لعبت مواقف جماعة الإخوان التي استبقت “جمعة رد الكرامة”، الدور الأكبر في انفجار تلك الموجة غير المسبوقة من العنف التي شهدها محيط مبناها في جبل المقطم، فما كان لهذه الحشود التي زحفت على مقر مكتب الإرشاد أن تتحرك، قاطعة تلك المسافة الكبيرة التي تفصل بين مسجد السيدة نفيسة وهضبة المقطم، إلا ثأراً لعمليات اعتداء واسعة تعرض لها قبل أسبوع متظاهرون سلميون على يد ميليشيا تابعة للجماعة، كانت كل جريمتهم أنهم قاموا برسم بعض لوحات “غرافيتي” على الطريق المؤدي إلى المقر العام للجماعة، وتناولوا برسوماتهم قيادات فيها بسخرية لاذعة، قبل أن يقابلها شبان الجماعة المحتقنون الذين جرى حشدهم قبلها بليلة بعنف شديد، بلغ حد الاعتداء على فتيات بالضرب المبرح وعلى نحو يفتقد النخوة والرجولة .   كان باستطاعة الجماعة أن تحتوي ما جرى، ولا تزيد من الأمر اشتعالاً، لكن يبدو أن مجرد الاقتراب من مكتب الإرشاد كان بمنزلة السير على كبل كهربائي عارٍ بالنسبة إليها، وربما يفسر ذلك مدى العنف الذي قوبل به العشرات من النشطاء ورسامي الغرافيتي، الذين صعدوا إلى المقطم قبل نحو أسبوعين، إذ رأت الجماعة أن مجرد التظاهر أمام مقرها الرئيس من شأنه أن يسحب من هيبته، ومن ثم وجب التصدي لهذا الأمر بالقوة المطلوبة، حتى لو كان الثمن إراقة دماء، من دون أن تدري أنها بذلك سوف تفتح بوابات جحيم، هي في حقيقتها فوق طاقة الجميع على الاحتمال .   بدا ما جرى طوال يوم الجمعة الماضي أقرب ما يكون ب”بروفة حرب أهلية” بامتياز، بعدما استدعى العنف الذي مارسته الجماعة قبل أيام عنفاً مضاداً، سار على نهج سابقه، فوقائع السحل المريعة التي تعرض لها نشطاء قبل أسبوع، كانت هي المسوغ الذي استند إليه المتظاهرون الغاضبون في سحل مماثل تعرض له كل من وقع تحت أيديهم من أنصار الجماعة الذين جرى حشدهم من الأقاليم المجاورة للدفاع عن “العرين”، بل إن الأمر بلغ بالبعض حد تعرية “الأسرى” الذين سقطوا في “المعركة”، انتقاماً لتعرية ميليشيا الجماعة، بالتعاون مع قوات الشرطة قبل شهور، المواطن حمادة صابر، في التظاهرة الحاشدة التي جرت قبالة قصر الاتحادية في فبراير الماضي، وقد بدا معظمهم  حسبما كانت تشي هيئاتهم البسيطة  من ساكني الأرياف الفقراء، الذين استخدمتهم الجماعة في معركة ليس لهم فيها ناقة ولا جمل .   على أن أخطر ما شهدته مصر على مدار الأسبوع الماضي، تجسد في الموقف الرئاسي الذي بدا بدوره وكالعادة بعيداً عن أسباب ما جرى، وقد تجلى ذلك في تلويح الرئيس بإجراءات استثنائية، اختص بها تلميحاً قيادات سياسية في كتلة المعارضة، من دون أن يقترب من “جرائم” ارتكبتها جماعته على مدار الشهور الأخيرة، وفتحت من خلالها الباب واسعاً أمام سيادة قانون العنف والعنف المضاد، كآلية من آليات ثورة أذهلت العالم بسلميتها، قبل أن تنحرف بها قوى الإسلام السياسي عن مسارها بمجرد اقترابها من السلطة .   العنف السياسي الذي تعيشه مصر في الآونة الأخيرة، تتحمل مسؤوليته في حقيقة الأمر أطراف متعددة، ربما يأتي في مقدمتها “مجموعات المصالح السياسية”، تلك المجموعات التي ارتأت منذ وقت مبكر أن مقاومة صعود التيار الإسلامي إلى منطقة الحكم والنفوذ والسلطة، لن تكون إلا بالعنف، وقد شاركت العديد من فصائل التيار الإسلامي في تعزيز هذه الفكرة بصورة كبيرة، بتلويحها في العديد من الأزمات السياسية التي شهدتها مصر على مدار الشهور الماضية، باستخدام ميليشياتها المسلحة، وهو الأمر الذي أضفى مصداقية كبرى على موقف هذه المجموعات، وأنها نجحت في استشراف المستقبل، وبدأت حربها الاستباقية من أجل وقف تمكين هذه القوى، وقد مهدت مجموعات المصالح الطريق منذ البداية لأطراف من النظام البائد، إلى العودة للمشاركة بقوة عبر تأجيج موجات العنف في الشارع المصري، وهي تستهدف من ذلك إفشال أي نظام حاكم قد يقف أمام مصالحها، وقد لعبت سياسة جماعة الإخوان دوراً كبيراً في زيادة مخاوف هؤلاء، على مكاسبهم التي حققوها في أثناء فترة حكم النظام السابق، عندما دفعت الجماعة بالعشرات من رجال الأعمال المنتسبين إليها لمزاحمتهم في الأسواق، واحتكار العديد من المراكز التجارية والصناعية الكبرى خلال شهور قليلة .   على مدار شهور رفعت القوى الثورية في مصر شعار السلمية، وتحملت في سبيل ذلك الكثير، لكن التحولات السريعة التي شهدتها البلاد، دفعت كثيراً من هؤلاء الشباب إلى الكفر بمبدأ السلمية، في ظل استمرار نزيف التضحيات التي دفعوها سواء في بواكير الثورة، أو في بدايات الفترة الانتقالية، وقد لعب نزف الدم الدور الأكبر في لجوء قطاعات واسعة من تلك القوى الثورية مؤخراً إلى الاتجاه إلى العنف كوسيلة للتغيير واستعادة الثورة، وقد تجلى ذلك في ظهور مجموعات مثل “بلاك بلوك” وغيرها، وانضمام قطاعات شعبية واسعة إلى صفوف القوى الثورية في الموجة الثانية للثورة، وإن ظل عنف هذه القوى محدوداً، وفي حدود التعبير عن الاعتراض، عبر وسائل سلمية في حقيقتها مثل قطع الطرق والدعوة إلى العصيان، قبل أن يدفع تلاحق الأحداث السياسية، وارتباك مؤسسة الرئاسة، بهذه الوسائل إلى عنف حقيقي، تجلى في إحراق العديد من مقرات الجماعة في القاهرة والمحافظات، كرد فعل غاضب على زيادة نفوذ الإخوان والصمت الرئاسي إزاء تجاوزاتهم المتعددة في العديد من المواقع التنفيذية . المؤكد أن فشل النخب السياسية، بما فيها القوى الحاكمة والمعارضة على حد سواء، قد لعب الدور الأكبر في اتجاه الثورة المصرية إلى هذا المنحى الخطر خلال الشهور القليلة الماضية، إذ بات السؤال الملح في الشارع المصري اليوم: ما البديل إذاً، بعدما فشل الطرفان في الوصول إلى حد أدنى من التوافق الوطني، يمكن من خلاله العبور بالبلاد من ذلك المنعطف الخطر؟   الحقيقة أن المشهد في مصر يبدو اليوم غير باعث على أمل، فالسلطة الحاكمة من جانبها لا تتوقف، مستخدمة في ذلك كل السبل، عن خطتها للهيمنة الكاملة على مفاصل الدولة، وهي لا تدع للمعارضة سبيلاً في مقاومة ذلك، سوى السعي الدائم إلى إفشال حكمها بكل الطرق الشرعية الممكنة