استمعت الى جزء من محاوراته واحاديثه في العام 1983 حينما اقمت في دمشق، سنة بعد خروجنا من بيروت، حيث كان مساجلا ضد التيار اليساري الماركسي، الذي كان هو الموجة الكاسحة التي استقطبت معظم النخب السورية والعربية المثقفة في ذلك الحين. وكان كتابه الذي الفه في السبعينيات "أوهام المادية الجدلية" جزءا من هذا السجال في ذروة النقاش الذي اثاره المفكر السوري اليساري صادق جلال العظم في كتابه الشهير بعد هزيمة 1967 بعنوان "نقد الفكر الديني" وتوالي هجوم الماركسيين السوريين امثال مفكرين بوزن الياس مرقص وياسين الحافظ والطيب تيزيني وابو علي ياسين، حيث كتب هذا الاخير عن "التابو الثلاثي المحرم": السلطة والدين والجنس. وقد بدا للحظة كما لو ان حزب البعث الحاكم في سورية تحت قيادة حافظ الاسد وجد في شخص هذا العالم الاسلامي الكبير والمثقف بمثابة المحاور الايديولوجي المقابل لصد الهجوم الايديولوجي المزدوج على النظام السوري من اليمين واليسار على حد سواء، من جانب الاخوان المسلمين الذين سيقومون بثورة مسلحة في مدينة حماة، ومن اليسار الماركسي من على يسار الحزب الشيوعي الارثوذكسي، حزب خالد بكداش. وقد لفت انتباهي في شخص هذا الشيخ انا الشاب اليساري الهوى ايضا، الكاريزما الخفية للشيخ على خلاف الصورة النمطية للشيوخ التقليديين، وهو الانطباع القوي الاول الذي يمكن تكوينه عن الرجل. نحيل القوام، على هدوء عميق سمة جميع اولئك المفكرين ذوي الطبع الحسي الذين يفكرون كثيرا بما يقولون. في قيلولة ايام الجمع القصيرة، من كل جمعة تقريبا سوف احرص في السنوات الاخيرة على سماع خطبته الدينية التي يلقيها من على منبر مسجد بني امية الكبير في دمشق. وسوف يدهشني هذا الشيخ العظيم كما سيدهش معظم المثقفين حتى الذين يختلفون معه، في الثراء الفكري العميق والمتنوع الذي تتسم به خطاباته، في كل مرة. خطابات اقرب الى اسلوب وروح المقالة، كما المحاورات الفلسفية العميقة، لرجل اقرب ان يكون فيلسوفا منه واعظا دينيا. دونما وعظ على الطريقة النمطية، وانما قوة الاقناع، وجاذبية هذا الاقناع من قوة الربط والتحليل. وحيث هنا في خطابات موجزة وقصيرة، لا تبعث على الملل او التكرار، تبرز قدرة شيخ قرأ جان جاك روسو وكارل ماركس ووستوارت مل وربما القديس اغسطين، في اعادة صياغة روح الاسلام، بثوب عصري وبحياكة جاذبة مستمدة من روح وصوت الشام المدينة لا من روح الصحراء. اسلام لا يحاول ان يخفي وجهه وراء ملائمات دفاعية عن جوهره الخالص، وانما يظهر وجهه صريحا بسيطا واضحا كما هي روحه، بوصفه جاء اولا واخيرا لادماج الصحراء في نظام الكون والحضارة بمخاطبة العقل والفكر. يواجه الفكرة بالفكرة. واثق من نفسه، من روحه كاسلام ابو حامد الغزالي، في "احياء علوم الدين"، والاصلاحيين الكبار فيما بعد امثال: جمال الدين الافغاني ومحمد عبده ورشيد رضا والكواكبي وبن باديس وعلال الفاسي. اسلام مجبول بروح المدنية الجديدة كما بالحوار مع الاخر الذي هو الغرب. وليس اسلاما يستبدل الحجة قوة الاقناع بالصراخ وحوار الآخر بالقتل. هذا الشيخ على ما اظن محمد سعيد رمضان البوطي الذي لقي مصرعه شهيدا بين المنبر والمحراب في مسجد الايمان، بحي المزرعة بدمشق مساء يوم الخميس الماضي 21 آذار، فيما كان يلقي درسه الاسبوعي بين مريديه، هو آخر تلك الكوكبة العظيمة من المصلحين والمفكرين الاسلاميين العظام، على مدى القرن الاخير. وها نحن نشهد مرة اخرى تلك المفارقة المأساوية في النهايات التي سيلقاها رجلان سوريان وبنفس الطريقة. الشيخ البوطي كما المخرج السينمائي السوري الكبير مصطفى العقاد الذي اخرج للسينما العالمية اهم فيلم عن دعوة الرسول محمد، "فيلم الرسالة". كلاهما سوف يقوم اسلامي اخر وباسم الاسلام بتفجير نفسه فيهما وقتلهما. وهي لحظة فارقة في تاريخنا القريب، حينما يترافق مع استفحال النزعة الطائفية والمذهبية في لبنان اوائل الثمانينيات،اغتيال اثنين من كبار المفكرين الشيوعيين، ينتميان الى الطائفة الشيعية ولكنهما يغردان خارج السرب الطائفي، هما حسين مروة صاحب كتاب "النزعات المادية في الاسلام"، ومهدي عامل المنظر الماركسي الشهير. قد قتل كلاهما في ظروف مشابهة لما يحدث اليوم في سورية. في الحالة اللبنانية الاصطفاف الطائفي الذي لا يحتمل مفكرين بوزن حسين مروة ومهدي عامل، يغردان خارج تعصب الطائفة. واليوم يعيد التاريخ نفسه، اصطفافا طائفيا لا يحتمل عالما ومفكرا بوزن محمد سعيد رمضان البوطي، امام وخطيب المسجد الاموي، يقف في وجه هذه الفتن الطائفية الحقيرة كما الحرب القذرة على سورية الذي تغذيها. ويساجل كعالم ومصلح ضد اجتهاد خاطئ، لتطرف اسلامي يجافي روح الاسلام. مساجلا ضد التيار الماركسي في السبعينيات، وفي السنتين الاخيرتين من حياته ضد زيف العلمانية العربية كما الاسلام المتطرف. هذا كان شيخا ومفكرا مثيرا للجدل في حياته، فرغم انه كان مقربا من آل الاسد الا انه لم يكن عالم السلطان او مفتيه، اذ رفض تقلد اي منصب رسمي ديني بعد أن عرض عليه منصب الافتاء، مفضلا ان يكون كما يحب ان يكون على صورته هو نفسه، استاذا ومدرسا واماما وخطيبا ومفكرا ومحاورا شديد المراس للغرب كما للتيارات الايديولوجية. عالما حرا لا يحب ان يتنازل عن هذه الصورة بل سلطته الادبية التي استطاع ان يبنيها حول نفسه، باعتباره العالم المفكر خارج الصورة التقليدية التي يقدمها علماء البلاط في وزارات الاوقاف. وقد كان في مواقفه الحادة والجريئة التي يترقبها وينتظرها الناس في كل جمعة اكثر شبها ربما من برنارد شو الاديب والمفكر البريطاني الشهير الذي قال مرة عن نفسه عن قوة سلطته انه يملك لسانا اقوى من الاساطيل البحرية للامبراطورية البريطانية، وقد كان البوطي في حياة الاسد الاب كما الابن يملك مثل هذا اللسان تقريبا في قوته وجسارته. فقد قال عن الاسد الاب وهو يؤبنه ان هذا الرجل "كان في سريرته افضل منه في علانيته" ثم صلى عليه. وحينما اندلعت الازمة الاخيرة في سورية قبل سنتين قال انه يجب علينا استبدال القتل بالعقل في نقد واضح لاسلوب الحل الامني الذي انتهجه الاسد الابن. ولكنه بعد ذلك وجه سهامه للعلمانية العربية ومنها السورية كما للقاعدة والتيار السلفي الجهادي المتطرف، ودعا مسلمي سورية وبلاد الشام الى الجهاد والقتال ضد هؤلاء المتطرفين. ورأى في تحليل عميق ان ما يحدث هو مؤامرة لتحطيم سورية واعادة تفكيكها الى طوائف ومذاهب خدمة لمشروع اميركا واسرائيل في المنطقة. وانتقد في هذا الصدد مواقف الشيخ يوسف القرضاوي متهما اياه باذكاء النزعة الطائفية متسائلا كيف يؤيد القرضاوي الحوار بين السلطة والمعارضة في مصر بينما ينكر على السوريين هذه الدعوة مشجعا المجموعات المسلحة على المضي الى النهاية في الاقتتال الاهلي الداخلي. وهي المواقف الاخيرة ربما التي سرعت بقتله اذ لم يستطع خصومه هذه المرة احتمال صوته ولسانه، وقبل ذلك قوة حجته وبصيرته وفكرته. وهو الذي ظل يردد من على منبره حديث الرسول، من ان صوت الشام من صوت الله، وقد كان الشيخ البوطي الذي اهتز لقتله بهذه الطريقة العلمانيون كما المسلمون المتدينون وحتى المسيحيون، هو بحق كان صوت هذه الشام، التي يراد تحطيمها واسقاط صوتها. وقد كان هذا الشيخ والعالم آخر تلك السلسلة العظيمة من المفكرين والادباء والشعراء والفنانين والكتاب الذين تحدثوا بلسانها وعبروا عن صوتها.