في كل مرة يجري الحديث عن المصالحة في إطار الجهود العربية "الجادة" للوصول إليها نفاجأ بتصريحات من العيار الثقيل. وكلما تحولت قضية المصالحة إلى شأن عملي مباشر تخرج علينا الأصوات التي اعتدنا عليها وعلى سماع كل ما هو غريب وعجيب ومفجع. كان البعض في حركة "حماس" أصبح يرى في أية خطوات حتى ولو كانت شكلية وإجرائية أو حتى ولو كانت مطروحة من باب الدعاية أو حتى رفع العتب وكأنها كابوس يقضّ مضاجع هذا البعض. واضح الآن كل الوضوح أنّ تركيز حركة حماس أثناء زيارة أوباما على الموقف الأميركي من المصالحة ومحاولة "إلصاق" تهمة تأخير المصالحة أو التباطؤ بشأنها ارتباطاً "بالضغوط" الأميركية وارتباطاً بزيارة الرئيس الأميركي لم تؤدِ إلى النتائج التي توقعتها حركة حماس أو البعض القائم منها على هذا التركيز، وواضح الآن تمام الوضوح أن المصالحة أشبعت حواراً وبما يفيض عن كل حاجة، وواضح، أيضاً، أن المصالحة لم تعد مطروحة إلاّ من باب الخطوات المباشرة لتنفيذ ما تم إقراره والاتفاق عليه وبمبادرات ومباركات تامة من الأطراف العربية التي عادت للحديث عن المصالحة وعادت تقترح القمم الخاصة لإعادة الحوار حول المصالحة. الاستنتاج المنطقي المباشر لكل هذا "العك" هو أن حركة حماس أو القسم الذي يراها نوعاً من الكابوس لم يعد لديه من "المبررات" ما يكفي ليصد عنه هذا الكابوس، ولم يعد يمتلك من الذرائع لكفاية الوقوف في وجه تنفيذ ما تم الاتفاق عليه وهو الأمر الذي جعله (أي ذلك القسم من حركة حماس) يلجأ لتصعيد الموقف من جديد حتى ولو بالاقتراب من دائرة اللعب بالنار. دائرة اللعب بالنار هي دائرة شق وحدة التمثيل الفلسطيني قبل أن يتم إعادة توحيد المؤسسات الوطنية وقبل أن تتعزز هذه الوحدة عَبر الانتخابات المنصوص عليها في الاتفاقيات والإعلانات والتفاهمات التي تمت حول المصالحة منذ إعلان الدوحة وحتى يومنا هذا. اللعب بالنار كما قلنا من على صفحات "الأيام" مرّات عديدة وفي الساحة الفلسطينية تحديداً مسألة محفوفة بالمخاطر الكبيرة على الذين يشرعون به أو يغامرون ويقامرون بالمراهنة عليه. وهناك فرق شاسع ما بين مبدأ تداول السلطة في الساحة الفلسطينية وقضية التمثيل وشرعيته ووحدانيته في هذه الساحة على وجه الخصوص. فلا حركة حماس ولا حركة فتح ولا أي حزب أو فصيل سياسي فلسطيني يمتلك "رفاهية" خلط الأوراق عند هذه النقطة بالذات، وليست قضية التمثيل هي قضية أغلبية أو أقلية كما يحلو للجزء الجاهل من هذه الفصائل والأحزاب أن يصورها أو يتحايل عليها. قضية شرعية ووحدانية التمثيل ارتبطت وهي مرتبطة وستظل مرتبطة بالكيانية الوطنية والهُويّة الوطنية والأهداف والحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني في كل أماكن تواجده باعتباره صاحب الولاية الكاملة على هذه الحقوق وتلك الأهداف، وباعتبار قضية التمثيل من زاوية الشرعية والوحدانية هي المجسّد لوجود هذا الشعب والمعبّر عن هذا الوجود. أي أن التمثيل هنا لا يرتبط بميزان القوى بين الفصائل والأحزاب ولا يرتبط بالفوز في هذه الانتخابات أوتلك بقدر ما يرتبط بانعكاس هذا التوازن في السياسات المباشرة والبرامج السياسية الجامعة للكل الوطني وبما يبقي على تلك السياسات والبرامج في إطار منسجم مع الأهداف والحقوق ودور وتمثيل الأحزاب. وبمعنى آخر فإن ثقل حركة فتح أو حركة حماس أو فصائل اليسار أو غيرها من القوى والمنظمات والأحزاب لا يجد له انعكاساً مباشراً أو غير مباشر في شرعية المؤسسة ووحدانية تمثيلها للشعب وأمانيه وأهدافه وحقوقه وإنما يجد هذا الثقل انعكاسه المباشر وغير المباشر في الأداء السياسي وربما أدواته وأساليبه وحتى في نمط السياسات وصولاً إلى المتغيرات والتغيرات البرنامجية نفسها كما يجد انعكاساته في حجوم التمثيل الداخلي ليس إلاّ، وقد مرت المنظمة بهذه المراحل وقد انعكست موازين القوى الداخلية ما بين القوى والأحزاب والمنظمات بما فيها منظمات المجتمع على اختلاف أصنافها واختصاصاتها على سياسات المنظمة وبرامجها ونمط أدائها وغيرها وغيرها من القضايا التي أشرنا إليها. وبالعودة إلى ذلك التوازن وتأثيره وانعكاسه على السياسات والبرامج فقد تغير أو تغيرت الكثير من القضايا البرنامجية في مسيرة المنظمة، وخصوصاً بعد صعود حركة فتح في نهاية الستينات وبداية السبعينات من القرن الماضي، وحيث لم تعد حركة القوميين العرب والقوى الناصرية والقومية هي صاحبة القول الفصل في المنظمة، وخصوصاً بعد معركة الكرامة. وثم وبعد حرب تشرين ومعاودة صعود القوى اليسارية في الساحة الفلسطينية بما فيها الشيوعيون الفلسطينيون وبعد زيادة حجم ودور وتأثير الأنظمة العربية (القومية) تغيرت قضايا برنامجية في المنظمة. بعد حرب تشرين جرت تغيرات كبيرة وأساسية على برنامج المنظمة وبدأت مرحلة جديدة من الأداء السياسي. كما تغير الأداء وكذلك السياسات بعد مؤتمر الرباط وتوالت تلك المتغيرات والتغيرات حتى وصلنا إلى وثيقة الاستقلال وبرنامج السلام في العامين 88 و89. ومنذ ذلك الوقت وحتى يومنا هذا تتغير السياسات وتتغير بعض القضايا البرنامجية ويتغير السلوك والأداء ونمط الأداء وأدواته وأساليبه ولكن هذا كله لم يغير شيئاً واحداً في قضية شرعية ووحدانية التمثيل. حتى أن إسرائيل التي حاولت بكل الوسائل والطرق وبما فيها الوسائل العسكرية المباشرة للسحق والتدمير لم تستطع أن تنال من هذه الشرعية التمثيلية ولا من وحدانيتها ورضخت في نهاية المطاف للاعتراف بالواقع بغض النظر عن الثمن الذي دفع بالمقابل من هذا الرضوخ. وفي مراحل مختلفة وأثناء الصدام مع أطراف كثيرة وكبيرة ومؤثرة في النظام العربي والتي وصلت إلى الصدامات العسكرية المباشرة وإلى الاغتيالات وإلى الترحيل والتهجير وغيرها من الوسائل والأساليب لم يتغير في واقع وحدانية وشرعية تمثيل المنظمة شيئ له قيمة عملية مباشرة، وبقيت المنظمة عنوان الكيانية الوطنية والهُويّة الوطنية والأهداف والحقوق الوطنية. وعلى حركة حماس أن تغادر هذا الميدان وإلى غير رجعة إن هي أرادت فعلاً أن تلعب الدور الوطني الذي تراهن عليه، وعليها أن تعود إلى رشدها قبل فوات الأوان. اختلفوا مع فتح كما شئتم واختلفوا مع الفصائل كما يحلو لكم، ولكن دون المسّ بالهُويّة ودون الاقتراب من الكيانية الوطنية ولكم من داخل المؤسسة الحرية المطلقة والكاملة بأحداث كل ما تهدفون إليه وتحلمون بتحقيقه. ازدواجية التمثيل لن يجلبها أحد لا لحركة حماس ولا لأي فصيل آخر، والقرار العربي بهذا الشأن ثابت ومستقر وكل مراهنة على محاور وتكتلات سياسية أو طائفية أو غيرها في الواقع العربي هي مرحلة عابرة في حياة الأمة والمراهنة عليها لا يعدو كونه أكثر من سراب. الشعب أبقى وأقوى والدفاع عن كيانية الشعب وهُويّته مسألة أكبر من نفوذ النفط والغاز والجماعات وأكبر من المحاور والتكتلات.