خبر : ثمة ما يستدعي تحديد الفواصل والتخوم...طلال عوكل

الخميس 28 مارس 2013 09:27 ص / بتوقيت القدس +2GMT
ثمة ما يستدعي تحديد الفواصل والتخوم...طلال عوكل



حملة الإعلام المصري، في مواجهة ما يعتبره بعض الإعلاميين المصريين، دوراً سلبياً، وتدخلاً سافراً من قبل حركة "حماس" في الأوضاع الداخلية المصرية، وعبثاً في الأمن المصري الاستراتيجي، تنطوي على أبعاد سيكولوجية واجتماعية وسياسية، تلحق أضراراً بليغة بالقضية الفلسطينية وبالعلاقة العضوية بين مصر وفلسطين وعلى نحو مركز بين مصر وقطاع غزة الذي لا مخرج له ولا مدخل إلاّ من خلال مصر. هذه الحملة لم تتوقف عند حدود ما نشرته مجلة "الأهرام العربي" من اتهامات تحمّل حركة حماس المسؤولية عن العملية الإرهابية التي أودت بحياة ستة عشر جندياً وضابطاً العام الماضي على الحدود المصرية مع إسرائيل، وهي لم تبدأ بها والأرجح ان لا تنتهي عندها، فقد جاءت بعدها اتهامات اخرى تتحدث عن محاولة لتهريب كمية من الزي الرسمي للجيش المصري إلى قطاع غزة. في الملف، اتهامات كثيرة، تتصل بالأنفاق وتهريب المحروقات والأسلحة والذخائر عبر الأنفاق، وبدور لكتائب القسام في إطلاق سراح السجناء من أحد السجون المصرية إبان الثورة، إلى ما قيل من أن الكتائب أرسلت سبعة آلاف مسلح أثناء الأحداث الدامية في بور سعيد، وقضايا واتهامات أخرى لم ينجلِ غبارها حتى اللحظة ومن غير المرجح أن ينجلي غبارها طالما أن الأزمة تضرب في الوضع المصري. لسنا بصدد تفنيد تلك المعلومات، فمن يستطيع ذلك هو من يملكها ونحن لا حيلة لدينا في الوصول إلى مصادرها، غير أن المسألة في الأساس ليست مسألة نفي أو إثبات، وإنما هي تندرج في سياق الصراع الداخلي بين جماعة الإخوان المسلمين وبين المعارضة التي يشكل الإعلام أقوى أسلحتها، وأكثرها تأثيراً. من المؤكد أن هناك تشابكاً بين الأوضاع في قطاع غزة، وبين الشقيقة مصر، لكون مصر تشكل العمق القومي للقضية الفلسطينية، التي تشكل بدورها ركناً أساسياً في الأمن القومي المصري، ولأن أوضاع قطاع غزة، المحاصر، والذي يتعرض لمخططات إسرائيلية جهنمية تلحق أضراراً استراتيجية بليغة بالقضية الفلسطينية وبمصر في الوقت ذاته. غير أن الخصوصية في هذا السياق، هي في كون حركة حماس التي تسيطر على الوضع في قطاع غزة هي جزء لا يتجزأ من جماعة الإخوان المسلمين، ولذلك فإن الصراع الدائر في مصر على النحو القائم، سيؤدي شئنا أم أبينا إلى إقحام قطاع غزة وحماس في الصراع الداخلي المصري. من هذا المنطلق فإن القوى الديمقراطية والوطنية والليبرالية في مصر، تستثمر تجربة حركة حماس في قطاع غزة، في إطار معركتها ضد الإسلام السياسي ونظن أن هذا الأمر منطقي ومقبول في الممارسة السياسية، على اعتبار أن الأحزاب العالمية كحركة الإخوان المسلمين، تجند كل طاقاتها وإمكانياتها، وحدودها الوطنية والجغرافية لصالح إنجاح تجربتهم في الحكم في أي مكان تتوفر لديهم الفرصة في تسلم الإدارة السياسية. هكذا كان حال الأحزاب الشيوعية، وهكذا كان حال الأحزاب القومية، أيضاً، ولا تشذ حركة الإخوان المسلمين عن القاعدة فحركة حماس على سبيل المثال باعتبارها الفرع الفلسطيني للجماعة يهمها أن تفعل كل شيء وأي شيء لإنجاح تجربة الإخوان في الحكم في مصر، أو في غيرها، والعكس صحيح، أيضاً. الإشكالية هنا تكمن في أن مثل هذه المعادلة ينبغي أن تلاحظ، وتراعي، أن العلاقة بين مصر وفلسطين هي أعمق وأكبر من أن يجري اختصارها واختزالها في العلاقة بين حركة حماس وجماعة الإخوان في مصر، وبالتالي لا يجوز أن تنسحب عملية التحريض على حماس والجماعة على القضية والحقوق الفلسطينية أو على المواطن الفلسطيني، وأن لا تؤدي، أيضاً، إلى التضييق على قطاع غزة مع الانتباه إلى الأهداف الإسرائيلية. في الواقع فإن حملة الإعلام المصري على ما تعتبره دوراً سلبياً لحركة حماس إلى جانب جماعة الإخوان المسلمين، تخلق وتراكم ثقافة شعبية متزايدة، لدى فئات واسعة من الشعب المصري، خصوصاً البسطاء منهم، تنطوي على فهم وموقف سلبي من الشعب الفلسطيني وقضيته. في هذا الإطار، نعتقد أن دفاعات حركة حماس والجماعة في مصر، لرد هذه الاتهامات وتفنيدها، هذه الدفاعات ضعيفة، وغير مثمرة، إذ لا يكفي أن تصدر تصريحات لمرة واحدة أو أكثر لنفي ما يرد من اتهامات والأرجح أن الفلسطينيين كل الفلسطينيين إذا جاز لنا أن نضع المسألة في هذا الإطار، لا يملكون القدرات الإعلامية التي يمكن أن تجاري قدرات الإعلام المصري صاحب المدرسة الإعلامية الأولى، والأكثر خبرة في هذا المجال. على أن المسألة، أيضاً، ليست إعلامية، فهي بالأساس مسألة سياسية بامتياز، وبما أنها كذلك، فإن الردود ينبغي أن تكون سياسية وعملية، في البعد السياسي، لم يصدر عن الرئاسة المصرية، أو الأجهزة الرسمية المخوّلة في مصر، أية ردود يمكن أن تساعد في توضيح وتفنيد الاتهامات التي يسوقها الإعلام المصري، وكان من الضروري والأفضل أن يبادر الرئيس مرسي إلى كشف الحقائق والملابسات التي تحيط بالعملية التي أزهقت أرواح الجنود والضباط المصريين. وحتى الآن لا يبدو أن النشاط السياسي الذي قام به الأخ خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحماس وعدد من رفاقه، في مصر، لا يبدو أن هذا النشاط أثمر الكثير، باستثناء ما ورد على لسان رئيس حزب الوفد، الذي عبر عن أسفه، وأكد على العلاقة الإيجابية مع حماس. وإذا كان طرفا المعادلة الإخوان وحماس، يحرصان على إنجاح تجربتهما لأن نجاح هذا هو نجاح لذاك، فإن من الضروري، التقدم بإعلان سياسي يحدد الفواصل والتخوم، بين ما هو متاح لهذا وذاك، على قاعدة الخصوصية، وبما يحيد الفلسطينيين وقضيتهم عن الصراع المرير الدائر في مصر.