يبدو أن زيارة الرئيس الأميركي للشرق الأوسط قد حددت أتجاهات السياسة الأميركية العامة تجاه بعض دول المنطقة، فالرجل قد قال في كل من تل أبيب ورام الله وعمان ما يريد قادتها سماعه، كما ان زيارته لبيت لحم والبتراء تشير الى تطلع أميركي لفتح هذا الحوض المقدس أمام السياحة، بعد أن يتم فض الأشتباك السياسي بين أهل الجوار. والأهم برأينا أن واشنطن ربما قد قررت التعامل مع الحلقة السورية كآخر الحلقات في أسقاط الأنظمة، وهذا لا يعني التوقف عن الدفع بمسيرة التغيير والأصلاح، وكان ذلك واضحا تماما حين سمع العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني كلاما من الرئيس الأميركي يتفق مع ما كان أعلنه الملك قبل أيام، خلال مقابلة مع صحيفة أميركية، وبذلك فقد ترسخت تقديراتنا بأن الجولة التالية من الربيع العربي التي ستشمل دولا معتدلة وصديقة للولايات المتحدة، وبعضها ذات أنظمة ملكية أو أميرية ستقتصر على الأصلاح . أيضا كان القرار الأميركي بالأفراج عن أموال لدعم السلطة الفلسطينية أشارة الى نتنياهو للكف عن محاولات أسقاطها وخنقها ماليا، فيما كان تأكيد الموقف الاستراتيجي تجاه أسرائيل دليلا على رضا واشنطن عن التشكيل الحكومي الإسرائيلي الجديد، والأهم هو ان واشنطن لم تعلن عن خطة او حتى تصور للحل بين الفلسطينيين والأسرائيليين، ولكن التحضير لإطلاق مفاوضات، ربما تكون جدية، تنتهي بالحل، ولا تكون آليات لتنفيذه، كما يريد الجانب الفلسطيني. سياسة التعويض عن السياسة تجدها واشنطن في المحفظة المالية، ويبدو ان هذا ما ستسير عليه أيضا قمة الدوحة، ففي ظل أنقسام وتفكك عربي واضح، ستنعقد القمة اليوم، ولن تناقش ملفات لها علاقة بوحدة العرب او توحدهم، او حتى مناقشة مخاطر خارجية تحدق بهم، كما جرت العادة، بل تبدو القمة وكأنها قمة تسيير أعمال، حيث ستنشغل بالملف السوري من زواية الانحياز لطرف المعارضة التي ستحضر رغم استقالة رئيس الائتلاف الوطني الذي كانت قطر قد نصبّته قبل عدة أشهر، بدلا من النظام السوري، فيما سيكون الملف الفلسطيني الثاني بالأهمية، حتى لا تبدو القمة وكأنها اجتماع لمناقشة الشأن السوري، أو جلسة من جلسات الاتجاه المعاكس، أو تظهيرا للتدخل القطري في سورية عربيا، لكن ليس من الزاوية السياسية، وإن كان الحديث يجري عن "أنقلاب" عربي تجاه المبادرة العربية . منذ وقت وقطر تتحدث عن تعديل المبادرة العربية انسجاما مع محاولة قطر الدائمة لطي كل إرث إقليمي له علاقة بزعامة السعودية للمنطقة، وحيث ان السنين قد أكدت على رفض أسرائيل للمبادرة التي مر وقت طويل (أكثر من عشر سنوات) حيث كانت أسرائيل ترد عليها دائما مطالبة بتعديلها، وبالتحديد اسقاط حق العودة والقدس من متنها ومضمونها، فإنه ازاء ما يمكن أن تظهره السعودية من تحفظ على تعديل المبادرة، وما يمكن ان يبديه الفلسطينيون من رفض للتعديل، لأنه سيمسّ ثوابت فلسطينية، فان قطر يمكن ان تتراجع عن مشروع تعديل المبادرة وتفضل طرح مبادرة جديدة، تجب ما قبلها أو تكتفي بتعويض الفلسطينيين عن الموقف العربي السياسي، بتصور واضح للحل، من خلال ترك هذا الأمر للمفاوضات نفسها، انسجاما مع الموقف الأميركي الذي يريد مفاوضات تنتهي وفق ميزان القوة فيها، أو من خلال تقديم الدعم المالي تحت عنوان القدس او تفعيل شبكة الأمان او ما ألى ذلك. رغم هشاشة الموضوعات، وربما القرارات التي ستنجم عن قمة الدوحة القطرية، إلا ان هذة القمة قد تكون علامة فارقة في تاريخ القمم العربية، لأنها قد تضع حدا لحقبة القومية العربية بمعناها ومفهومها القديم الذي أرساه عبد الناصر في سياق مرحلة التحرر، وعلى الأرض , قطر تقود حالة التغيير في المنطقة العربية، وفي هذة القمة ستجد حلفاءها قد ازدادوا عددا وحضورا عن القمة السابقة , ستجد في الرئيس المصري حليفا , كذلك في الوفد الليبي , والوفد السوري , وليس مستبعدا أن يقترح البعض أن تكون الدوحة وليس القاهرة أو تونس مقرا للجامعة العربية , بل وحتى أن يقترح البعض تغيير أسم الجامعة الى اسم الرابطة مثلا أو مجلس أدارة الشأن العربي العام , وفي قطر لا يمكن لأحد من المراقبين أمثالنا، ان يستبعد شيئا مهما بدا للحظة انه غريب او مستهجن. Rajab22@hotmail.com