خبر : مغزى الاعتذار الاسرائيلي لتركيا ...د. سفيان ابو زايدة

الأحد 24 مارس 2013 08:32 م / بتوقيت القدس +2GMT
مغزى الاعتذار الاسرائيلي لتركيا ...د. سفيان ابو زايدة



احدى النتائج المباشرة لزيارة الرئيس الامريكي باراك اوباما للمنطقة هو اعتذار نتنياهو تلفونيا لرئيس الوزراء التركي رجب طيب اردوغان ، سيما انه حدث خلال وجود الرئيس الامريكي بجانب نتنياهو، حيث شكل شارة البدء لعودة العلاقات الاسرائيلية التركية  التي تدهورت بعد حادث السفينة " مرمرة" و  العدوان الاسرائيلي على غزة اواخر عام 2008.هذا الاعتذار لم يكن وليد اللحظة بل كان نتيجة لجهد امريكي متواصل على مدار السنوات الماضية من اجل التوصل الى صيغة ترضي الاتراك من ناحية و تحافظ على ماء وجه الاسرائيليين من ناحية اخرى. على ما يبدوا اراد الامريكان ان يكلل هذا الجهد بالنجاح خلال زيارة الرئيس اوباما  بحيث يتم التعامل معه كحدى النتائج المباشرة للزيارة.ليس هناك شك ان المصلحة الامريكية العليا هي في انهاء هذه الازمة على اعتبار ان الدور التركي في المنطقة، خاصة في هذه الحقبة التاريخية الحساسة و المتقلبة، هو دور اساسي في الحسابات الامريكية، و ان استئناف التعاون، خاصة الامني و العسكري بين اسرائيل و تركيا هو احدى مرتكزات الاستراتيجية الامريكية في المنطقة ، هذا بطبيعة الحال لا يختلف عن الحسابات الاسرائيلية التي تضررت كثيرا من توتر العلاقات مع تركيا خاصة في كل ما يتعلق بالتعاون العسكري و الامني، على الرغم ان العلاقات الاقتصادية و التجارية بين البلدين تقريبا لم تتأثر سوى في قطاع السياحة حيث توقف الاسرائيليون من الذهاب الى تركيا .السؤال الذي يحتاج الى اجابه هو ما الذي تغير بحيث جعل الطرفين الاسرائيلي و التركي قبول هذه الصيغة من الاعتذار على الرغم من رفضها في الماضي، و السؤال الاخر هو ما هي تداعيات هذا التقارب اقليميا و فلسطينينا؟التفسيرات و التحليلات الاسرائيلية كثيرة و متعددة حول قبول تركيا للاعتذار الاسرائيلي تلفونيا على الرغم ان شرطهم كان في السابق هو ضرورة الاعتذار العلني و الخطي للشعب التركي، احدى هذه التفسيرات هو تورط رئيس الوزراء التركي بتصريحاته النارية ضد الصهيونية و التي تراجع عنها تحت الضغط الامريكي عندما قال انه تم تفسيرها او فهمها بشكل مغلوط، اما التفسير الاكثر منطقية هو ما قاله نتنياهو في تبريرة الاعتذار لتركيا حيث قال ان ما يحث في سوريا من تطورات هو الذي جعله يعتذر لتركيا حيث الوضع هناك خطير و التعاون بين الاطراف ذات المصلحة المشتركة هو امر ضروري.في كل لاحوال ، و بغض النظر عن الاسباب التي دفعت كلا الطرفين، و خاصة الجانب التركي، بالنزول عن الشجرة سيكون لهذا التقارب من جديد تاثيرات و انعكاسات مباشرة على العديد من القضايا و الملفات و التي اهمها: اولا: ان ما اقلق اسرائيل و اصابها في مقتل من قطع العلاقات مع تركيا هو وقف التعاون العسكري و بالتحديد تحليق الطيران الاسرائيلي و التدريبات التي كان يجريها في الفضاء التركي و حرمان اسرائيل من المشاركة في مناورات حلف النيتو نتيجة الفيتو التركي، اضافة الى التعاون الاستخباراتي التي كانت تستفيد منه اسرائيل اقليميا. عودة العلاقات بين الدولتين قد لا يعني في البداية على الاقل ان تعود الى ما كانت عليه في السابق بشكل كلي و لكن بالتأكيد ستعود بشكل يلبي المتطلبات العسكرية و الامنية و الاستراتيجية لكلا الطرفين، و لكن بلا شك المستفيد الاكبر هو اسرائيل. ثانيا: الدافع المباشر و المعلن و الضرورة الملحة لكلا الطرفين هو الموضوع السوري حيث يعتبر القاسم المشترك لتركيا و اسرائيل لما له من تداعيات على الدولتين بشكل خاص و الوضع الاقليمي بشكل عام. التقدير الاسرائيلي و التركي هو ان سوريا لن تعود كما كانت عليه و ان النظام السوري في النهاية لن يصمد الى الابد، و بالتالي التعاون الاسرائيلي و التركي و بمساعدة اطراف اقليمية اخرى هو مهم للتعاطي مع سوريا في مرحلة ما بعد الاسد. ايران و حزب الله و التنظيمات السلفية المتطرفة و الاسلحة الكيميائية و الاستراتيجية، جميع هذه الملفات تشكل قاسم مشترك و تنعكس بشكل مباشر على الوضع الامني و العسكري و الاستراتيجي لكلا الطرفين.التقارب التركي الاسرائيلي سيكون له تأثير كبير على القرارات التي قد يتخذها المجتمع الدولي في الشأن السوري سيما في كل ما يتعلق بالاسلحة الكيمياوية و الاهم من ذلك هو محاولة التأثير على التطورات في مرحلة ما بعد الاسد. ثالثا: التوتر بين تركيا و اسرائيل حدث بسبب الموضوع الفلسطيني و الحصار المفروض على غزة و على حركة حماس بشكل خاص، التقارب بين الطرفين سيكون له انعكاسات مباشرة و غير مباشرة سواء على العلاقات الفلسطينية الاسرائيلية او حتى العلاقات الفلسطينية الفلسطينية. اسرائيل من الان فصاعدا لن تقدم على اي عمل ضد غزة دون ان يكون هناك مبرر قوي لذلك، في نفس الوقت ستضطر الى تقديم المزيد من التسهيلات و التخفيف من الحصار طالما هناك التزام بالتهدئة. تركيا من الان فصاعدا ربما ستشغل الفراغ ، حتى وان كان بشكل مؤقت الذي تتركه مصر بسبب الانشغال في وضعها الداخلي بكل ما يتعلق بتشكيل حلقة الوصل بين حماس و اسرائيل.تركيا ايضا و بحكم علاقاتها الطيبة مع حماس و مع الرئيس عباس، مع غزة و مع رام الله، ستساعد كثيرا في تقريب وجهات النظر حيث يدركون ان ليس بالامكان الذهاب بعيدا في مساعدة حماس في غزة دون ان يكون هناك رضى او موافقة من السلطة الوطنية في رام الله.لذلك، ليس من المستبعد ان تستبدل تركيا الدور المصري بشكل تدريجي و ان كان بشكل مؤقت ايضا في لعب دور الوسيط بين الفلسطينيين المنقسمين على انفسهم. هذا لا يعني الغاء الدور المصري حيث لا مصلحة فلسطينية، سواء كانت فتحاوية او محساوية بذلك. لكن الظروف التي تمر بها مصر تجعلها غير متفرغة لمشاكل الفلسطينيين و مناكفاتهم لبعظهم البعض. Dr.sufianz@gmail.com