خبر : بين مريم فرحات وأوباما : إما التسويات الكبرى الآن أو الانفجار ..حسين حجازي

السبت 23 مارس 2013 09:59 م / بتوقيت القدس +2GMT
بين مريم فرحات وأوباما : إما التسويات الكبرى الآن أو الانفجار ..حسين حجازي



مريم فرحات "أم النضال" هذه المرأة الأم أُحب أن أكتب كلمة مرثاة صغيرة بجوار سجدة روحها حناءتها الأخيرة. فهذه ما كانت أماً لثلاثة شهداء فاستحقت أن يقال عنها "الخنساء"، ولا كانت أُماً نقرأ عنها في الروايات، "الأم " أم ماكسيم غوركي زمن الثورة الروسية، ولا "ام سعد" غسان كنفاني في قصته الشهيرة التي تحمل الاسم نفسه، ولكنها أم نضال تلك التي هي أيضاً اسمها مريم على اسم أمنا العذراء البتول التي جاء ذكرها مباركاً في الإنجيل والقرآن. أُماً مريمية عاشت بيننا في زماننا ولكن هذا المعاش كان كأسطورة حية حيث في عصر وزمان أكثر تنوراً. تلاشت أو غابت عنه صناعة الأساطير، حينما لم يكن في الأزمان القديمة الإنترنت ولا الكاميرا التي تسجل بالصورة كل الأحداث، وتترك فقط للخيال الإنساني الجميل إبداع الأساطير. هذه أم أثارت من حولها الأسئلة بقدر ما أثارت حولها من التمجيد. ليس هي أجمل الأمهات التي انتظرت ابنها وعاد مستشهداً، أغنية مارسيل خليفة، ولكن التي دفعت ابنها بنفسها وهي تعلم انه لن يعود. هذه المرأة الأم بصورتها الشهيرة مع ابنها تودعه الوداع الأخير ليعود مستشهداً، هي التي هزت الوجدان الفلسطيني، واخترقت خيال الإسرائيليين وأدخلت في قلوبهم الرعب، في ذروة الانتفاضة الفلسطينية المسلحة، كما في قلوب المستوطنين هنا في غزة. هنا عند هذه الصورة، الموقف المأساوي الذي يخترق قدرة العقل الإنساني، انما وجهت الضربة الحاسمة في هزيمة واندحار الوجود الاستيطاني الإسرائيلي في غزة. هنا أمام جسارة هذا القلب لهذه الأم لم يعد ثمة معنى للنصر والهزيمة بالمعايير الكلاسيكية لتقرير مصير الحروب . من لا يخاف الموت هو الذي ينتصر. اي بمعنى ومعيار وحيد تقرره القوة الروحية التي تقهر القوة المادية. ولقد كانت روحها هي التي صنعت اسطورتها وهي لا تزال على قيد الحياة. فلقد كانت ام المناضلين بحق وحقيق، فعلى روحك يا ام المناضلين السلام.                                                      باراك أوباما كتبت هذه الكلمة الصغيرة بجوار راحة هذه المرأة التي غادرت عالمنا اول الأسبوع الماضي قبل زيارة باراك أوباما بأيام قليلة، وذلك رغم علمي ان القصة الرئيسية في نهاية الأسبوع هي زيارة أوباما التاريخية، ولكني أصريت على الربط بينهما، وفاة ام نضال فرحات، وزيارة باراك أوباما، لأن الترابط بين هذين الحدثين كان ولا يزال بالمعنى الرمزي والمأساوي، هو الذي يجسد في الصراع الفلسطيني وقصة الفلسطينيين، خلال العقود الأخيرة، تناقض وجهي معبد جانوس المتعارضين. وما برح هذا التناقض يمزق وعي الفلسطينيين، وشطره الى نصفين، تماما كما نشعر في التأمل في رمزية هذه المرأة، بنفس التناقض كأم وأمازونية محاربة في نفس الوقت، اذا كان يمكن اعتبارها تحمل روح ايريس إلهة الثأر، التي يمكن تماثلها مع الأم القديمة حارسة النار. وهي التجسيد الآخر في رمزيته لتقديس الشهادة والفداء والتضحية لدى الفلسطينيين في صورة ام الشهيد، الذي يعبر عن خيار الكفاح المسلح كخيار وحيد يحقق الخلاص بالنسبة للفلسطينيين. أهلاً باراك أوباما. في زيارتك دلالات قوة وجزالة الخطاب. الخطاب الذي يعبر عن ملامح التغيير او الفعل القادم اي الوجه الآخر لتناقض معبد جانوس بإدامة الوهم العظيم على الحل الدبلوماسي ربما . وقد أشرت في مقالتين هنا قبل مجيئك عن استشراف هذا الحل او الفعل او الوهم، وقد توقعت هنا ان يبقى جون كيري بعد الزيارة ليمارس دبلوماسية مكوكية على غرار ما قام به هنري كيسنجر، أواسط السبعينيات باعتباره استشرافاً اعتمد على التحليل المجرد. فرضية انه ما عاد لاميركا القدرة على مواصلة الاحتفاظ بتوازن مهيمن عليه في الشرق الأوسط. وانه لأجل الحرب على الصين يجب استمالة روسيا، بإعطائها سورية واكتفاء أميركا بالنفط ولأجل حماية النفط يجب استمالة الإسلام الناعم وإغلاق ملف بؤرة النزاع في المنطقة اي المسألة الفلسطينية، وهذه هي القصة. لكنني أظن انه أكثر من اي وقت آخر تطل رمزية رحيل مريم فرحات على المشهد الفلسطيني الإسرائيلي في زيارة أوباما، فلعلها هذه هي الفرصة الأخيرة في السباق بين التسويات الكبرى على ملفات المنطقة أو الانفجار.  وذلك لمناسبة عودة أميركا للهجوم والكر الدبلوماسي من جديد بعد غياب وتجاهل استمر أربع سنوات. وإذا لم تكن هذه العودة جدية، فان الهدوء الهش الذي جاءت الصواريخ الأربعة من غزة تذكر بهشاشته، خيار ام نضال سوف يعاود الكر بدوره من جديد. فنحن اليوم امام لحظة فاصلة من السباق بين الحل السياسي او العودة الى الحل العسكري او العنفي.  تماما كما نقف تاريخيا امام هذه الثنائية الأخرى : إما حل الدولتين او الحرب التي تفضي في نهاية الأمر ليس الى التفكيك وإنما الى إعادة اللصق والدمج والتركيب اي الوصول الى البديل الوحيد عندئذ حل الدولة الواحدة ثنائية القومية. او الحل وفق نظرية ادوارد سعيد عن المواطنة المختلطة أو نظرية القذافي عن دولة "إسراطين". وهما خياران لا يبدو على أي حال أنهما سيئان بالنسبة للفلسطينيين، اذا كان الخيار الأسوأ فقط هو ادامة هذا الوضع المعلق، اي بقاء الأمر الواقع " الاستاتيكو" . ولذا سوف نراقب ان كان ثمة خيار ثالث تحت الطاولة قوامه حل ثلاثي يقوم على قاعدة اعادة تركيب المثلث الفلسطيني الإسرائيلي الأردني باعتباره حجر الزاوية في النظام الأمني الإقليمي الجديد في إطار إعادة تركيب إستراتيجية التوازن في الشرق الأوسط . ام ان جون كيري سوف يتفوق على هنري كيسنجر في اللحظة الأخيرة ما قبل فوات الأوان على حل الدولتين، بتجاوز مقاربة عقلية البقال، الاتفاقات الجزئية التي تحاول تجميل وتحسين الوضع القائم، او إدارة اللعبة من الهوامش لزيادة قدرة الفلسطينيين على التعايش مع هذا الوضع المؤقت القائم، او ان باراك أوباما سوف يتفوق على ما عجز عن إتمامه بيل كيلنتون ؟ اي إتمام التسوية التاريخية؟ حتى الآن وصف الرئيس ابو مازن اللقاء بأنه كان مثمراً ومفيداً وهذا انطباع اولي يوحي بحدوث تقدم ما ايجابي . ولهذا أظن هنا ما كان لبعضنا ان يظهر هذه العدائية لزيارة الرجل. وان كان يبقى سؤال يحوم على هامش هذه الزيارة ان كان للتملق السياسي تجاه إسرائيل الذي أبداه باراك أوباما ان يتحول الى جدارة بامتياز لو ان الرجل قام بالمقابل بلفتة رمزية تجاه الفلسطينيين بالوقوف دقيقة صمت واحدة أمام قبر عرفات على بعد بضعة أمتار من استقباله في مقر المقاطعة. وان كان تجاوز هذه الثغرة لا يلغي حقيقة الانطباع الأخير بأن ما جاء به باراك أوباما بعيداً عن اعتبارات التملق السياسي انما يصب في مصلحة الفلسطينيين الذين لا يملكون ما يخسرونه قبل الزيارة.