خبر : الاعتذار الاسرائيلي لتركيا والمصالح الخفية! ...حسن عصفور

السبت 23 مارس 2013 09:03 ص / بتوقيت القدس +2GMT
الاعتذار الاسرائيلي لتركيا والمصالح الخفية! ...حسن عصفور



كتب حسن عصفور/ خلال لحظات مغادرته أرض فلسطين التاريخية، اعلن الرئيس الأمريكي أنه تمكن، أخيرا، من احداث "مصالحة تركية اسرائيلية"، بعد أن اعتذر رئيس وزراء دولة الكيان هاتفيا، ثم عبر بيان لرئيس وزراء تركيا عما حدث من الجيش الاسرائيلي ضد نشطاء سفينة "مرمرة" الاتراك، الفرح الأمريكي بالمصالحة تستدعي التوقف أمام "القيمة السياسية" التي أرادتها واشنطن من وضع حد للتوتر في العلاقة بين "دولتين" من أهم حلفائها في المنطقة، وبالقطع لا يمكن لأي كان أن يعتبر التصرف أو الحرص الأمريكي على ازالة التوتر بين أنقرة وتل أبيب من اجل خدمة "القضية الفلسطينية" أو من أجل رفع الحصار عن قطاع غزة، كما تتوهم بعض قيادات "حماس" التي سارعت بالتطبيل دون أن تقرأ مغزى الخطوة الأمريكية تلك.. قبل ايام من الاعتذار الاسرائيلي خرج رئيس وزراء تركيا أردوغان ليتقدم بتصويب عما نسب اليه باعتبار "الصهيونية جريمة ضد الانسانية"، تراجع حدث خلال زيارته للدنمارك، وهو الذي رفض ذلك وعبر وزير خارجيته التوضيح أو التفسير لما نسب اليه خلال زيارة وزير الخارجية الأمريكي كيري لأنقرة، بل أن الوزير التركي أعلن أنه لا يمكن الاعتذار أو التعديل لما قاله أردوغان، لكن التوضيح جاء لاحقا وقبل أن يصل أوباما الى المنطقة، ما يكشف أن "ترتيب المصالحة التركية الاسرائيلية" قد تم الاتفاق عليه مسبقا، وأن تترك ساعة الاعلان عنه الي اللحظات الأخيرة على طريقة "افلام الحركة" الأميركية، ليصبح الخبر وكأنه ابرز محطات رحلة الرئيس الأمريكي.. بداية الاعتذار الاسرائيلي ما كان له أن يكون قبل تراجع اردوغان عن أقواله بخصوص الحركة الصهيونية، وهي نقطة البداية للتراجع التركي لفتح صفحة جديدة مع دولة الكيان، فيما منح نتنياهو "سلما خاصا" لرئيس وزراء تركيا من اجل النزول عن شجرة "الغضب العرمرمية" التي ركبها بعد مقتل 9 اتراك بيد الجيش الاسرائيلي، الى جانب الاهانات التي رافقت احتجاز السفينة "مرمرة" ومن كان عليها من متضامنين متجهين الى غزة، ولكن الاعتذار بجوهرة لا يتفق مع المطالب التركية التي سبق أن حددتها الحكومة التركية، خاصة المسؤولية الجنائية عن عملية القتل العمد.. أما ما يتعلق بمسألة رفع الحصار عن غزة، التي تم تسويقها كجزء من الاعتذار الاسرائيلي، فهي تشكل "خدعة نادرة" في العمل السياسي، فما قاله رأس الطغمة الحاكمة في تل أبيب هو ان عملية ادخال المواد الى غزة ستستمر ما دام هناك "هدوء" اي ما دامت حركة "حماس" ملتزمة بما وقعت عليه في "اتفاق التهدئة"، والذي دفعت به ثمنا سياسيا من أجل الخروج بـ"نصر رفع الحصار"، ولذا لا يوجد سبب لأن يعتبر بعضهم أن تركيا فرضت رفع الحصار عن غزة، فهذه "كذبة" مكشوفة، بل تشكل اهانة  لحركة "حماس" أولا ومصر ثانيا، كون الاتفاق الذي توصلا اليه مع دولة الكيان يشترط رفع الحصار دون الحاجة لوسيط جديد.. ولعل هذه المسألة تكشف أن القضية ليست اعتذارا يتصل بالقضية الفلسطينية بقدر ما يعكس محاولة أمريكية لترتيب أوراق اقليمية وتعزيز تحالفها الخاص في منطقة مقبلة على تغييرات سياسية كبرى.. الخطوة الأمركية لرعاية المصالحة التركية الاسرائيلية، ترتبط بمستقبل "المسألة السورية"، التي لا يزال مصيرها مجهولا، خاصة وأن واشنطن تدرك جيدا ان قوى التطرف والارهاب باتت تتحكم في جوهر القرار العسكري الميداني لقوى المعارضة، ورغم موقفها من النظام ورغبتها في رحيله، لكنها تعلم ايضا ان الفراغ او البديل العسكري لن يكون "خيرا لها"، وهي تحتاج لترتيبات خاصة من دول مؤثرة تقف لدعم رؤيتها، ولا يوجد لها أفضل من تركيا واسرائيل وكلاهما عضو في الحلف الأطلسي.. ولا يمكن ابعاد القضية الايرانية عن خلفيات "مشهد المصالحة" التي حدثت، حيث تستعد واشنطن لما هو قادم فيما يخص النشاط النووي الايراني والتوجه العسكري الاسرائيلي، فإزالة "التوتر" بين البلدين سيكون عنصرا هاما لتحديد الخيار الأمريكي المقبل، سواء بالضغط السياسي – الاقتصادي أو البعد العسكري، وكلا الخيارين يتطلبان "هدوءا" او "شراكة" مع تركيا ودولة الكيان.. ولا شك أن تطور الوضع الداخلي في العراق الذي يتجه نحو تعزيز الصدام أكثر فأكثر، وعدم القدرة على السيطرة على مجريات تطور الأحداث، ودور تركيا المنتظر في دعم "سنة العراق" في مواجهة فصائل شيعية ترتبط بالحكم في ايران، يمثل عنصرا دافعا لإزالة كل المطبات من أمامها.. وأنقرة تدرك جيدا أنها لا تستطيع المضي قدما في مخطط تعزيز دورها الاقليمي، دون موافقة أمريكية، وواشنطن بدورها لن تتجاوز أهمية ومكانة دولة الكيان في اطار "مصلحتها العليا"، لذا كان التنازل المتبادل.. اعتذار باعتذار مخفف، كي يتم الاتطلاق نحو اعادة تقسيم "الأدوار الإقليمية" في المستقبل،  خاصة وأن تركيا فتحت "اسواقا جديدة" لها في أفريقيا، وتعمل على صياغة "تسوية تاريخية" مع أكراد تركيا، بدأت برسالة الزعيم الكردي المعتقل للبدء في وقف اطلاق النار وانسحاب المقاتلين الأكراد الى خارج الحدود.. تسوية تفرض على تركيا اعادة مسوغات "الدولة الإقليمية" التي لا تبتعد ايضا عن المحور الأمريكي.. وبات جليا أن رضى واشنطن ضرورة لا بد منها لو أريد ذلك، خاصة والفرصة التاريخية تأتي مع غياب المنظومة العربية عن الوعي السياسي والدور بشكل كامل، بل انها تتحول الى "شاهد لا يرى ولا يسمع وبالتأكيد لا يتكلم" فيما يحدث من تطورات اقليمية.. المصالحة التركية – الاسرائيلية هي مشهد جلي لما تمليه مصالح الدول ومتطلبات الأدوار في سياق المشهد الأمريكي للمنطقة، ولا "عزاء لمن يجهل حقيقة حركة الأحداث"!