خبر : احتباس الرواتب وخصوماتها والطامة الكبرى ...بقلم: عدلي صادق

الجمعة 22 مارس 2013 03:56 م / بتوقيت القدس +2GMT
احتباس الرواتب وخصوماتها والطامة الكبرى ...بقلم: عدلي صادق



نأمل أن تكون حكومة فياض، قد تراجعت فعلاً، عن خطوتها اقتطاع أجزاء من رواتب موظفي غزة، على أساس فواتير مفترضة، لاستهلاك الطاقة الكهربائية، هي في المجمل متخيلَّة، أو تقريبية، أو قياسية تُصاغ منها واحدة،  لكي يجري تعميمها على الألوف، بشكل لا يقره منطق محاسبي أو تحصيلي. كما نأمل أن تكون هذه الحكومة، قد تراجعت فعلاً، عن وقف صرف رواتب موظفين ليس في مقدورهم في هذه اللحظة، أن يظهروا بأشخاصهم وأوراقهم الثبوتية أمام موظفي البنوك! الخطوتان، تعكسان حقيقة التردي المروع في الأداء الحكومي، مثلما تعكسان حقيقة هي بمثابة الطامة الكبرى التي يمثلها خلو البلد، من أية مرجعية في مقدورها أن تقول لأي طرف سلطوي حينما يخطىء، إن ما تفعله في هذا الأمر أو ذاك، خطأ بيّن، وأننا قررنا ـ  باسم كذا من مؤسسات الشعب ـ رجوعك عنه، تحت طائلة المساءلة. فمن الناحية القانونية والدستورية، بات الفلسطينيون، بعد نحو نصف القرن من تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية، وبعد نحو عشرين سنة من تأسيس السلطة؛ أيتاماً فقدوا كل أسانيدهم القانونية والدستورية، وليس من شفاعة لمظلوم أو لصاحب حق، إلا في حال واحدة وهي أن يرق قلب الظالم أو مستلب هذا الحق! *   *   * حكومة فياض هذه، على صعيد الحقيقة الأولى التي عكستها خطوة الحسم بذريعة فواتير الكهرباء؛ تصرفت بشكل متعالٍ على التفاصيل، وأخذت الناس في غزة بالجملة، مستأنسة بواقع أن معظم موظفي غزة، لا يملكون القيام بإضراب مطلبي، لأن الإضراب المديد، تقرر سلفاً عليهم، بأمر الحكومة نفسها، وهو في الأصل، موجه للطرف الحمساوي، وبالتالي لا سلاح احتجاجياً بحوزتهم . ولعل من نافل القول، التذكير بالمفارقة السوداء، وهي أن يتعمد الطرف الذي أمر باستنكاف الموظفين عن العمل، تعيير المستنكفين بقعودهم وعطالتهم، ثم يتولى فاسدون من متربحي مؤسسات بحثية أو غير حكومية، بالتنظير لخطأ صرف رواتب هؤلاء، فيما يرهق الموازنة. ويستكمل مناطقيون أوباش، التمحك بموظفي غزة، لقصقصة رواتبهم ووقف نموهم الوظيفي، والإمعان في إقصائهم! خطوة حسم مبالغ مفترضة، لسداد فواتير متخيلة، لاستهلاك متوقع، لكهرباء غير معلوم حضورها من انقطاعها؛ دلت على وضعية التربص بموظفي غزة والتعامل الفظ معهم. أما إجراء وقف صرف الراتب، حتى يظهر صاحبه، فهو يدل على انهيار اداري. فالمفترض أن تتابع الوزارات والمؤسسات موظفيها في غزة، وأن تتواصل معهم، وإن تؤدي واجبها. وإن كان بمقدورها تكليفهم بمهام مؤقتة أو موازية، فالأجدر أن تفعل ذلك، وأن تحافظ على هيكليتهم الإدارية وأن تفتح لهم سبيلاً للعمل أو لبذل الجهد. أما أن تتركهم فلا تعرف الغائب منهم من الحاضر، وتزيد على ذلك، بوقف رواتب الديبلوماسيين المبتعثين، الذين تتحول معاشاتهم الى فروع البنوك في مدنهم في قطاع غزة؛ فمعنى ذلك أن لهذه الخطوة الرعناء، جانب كاريكاتوري مثير للضحك، إذ كيف لا تكلف "المالية" نفسها، مشقة الحصول على كشف بأسماء موظفي شقيقتها "الخارجية" المبتعثين الى بلدان أخرى! ثم لماذا تصر هذه الحكومة التي أمرت بالاستنكاف عن العمل، ولم تبذل جهداً لمتابعة أوضاع الناس أو تكليفهم بشىء؛ على ضمان التزام الناس مهاجع نومهم كشرط للحصول على الراتب؟! ما الذي يضير الحكومة، إن قرر أحد الملتزمين بالاستنكاف، رفع مستوى تحصيله العلمي وكفاءته، في بلد شقيق لريثما يستقيم حال السلطة والكيانية الفلسطينية؟ وهل سيكون شرط استحقاق الراتب، الكف تماماً عن أي عمل مفيد؟ ربما لو سلمنا بذلك، سيصبح شرط صرف الراتب، الالتزام استنكافاً عن التنفس والتناسل! أحد الأصدقاء، وهو شاعر بديع، ممن استنكفوا  التزاماً، وتعرضوا للاعتداء في بدايات الانقلاب، أرسل لي مفزوعاً، بأن أسرته لم تستطع استلام راتبه الموقوف لحين ظهوره بلحمه وشحمه وصوته. وكانت مؤسسة معنية بالشعر في إسبانيا، دعته لكي يقدم قراءات للشعر الفلسطيني ويُقدم أمام لفيف من الناشئة الإسبان، شرحاً للأبعاد الإنسانية والتاريخية والوطنية للشعر الفلسطيني. فجأة سمع النبأ، فيما هو يشرح للآخرين، ما يتضمنه الشعر من معانٍ مؤداها أن لفلسطين الحق في أن يكون لها نصاب، ومن بين هذا النصاب، الحكومة ووزارة المالية والبنوك! أخيراً، في حال تراجع الحكومة عن خطوتيها، أعود للتذكير، بأننا بلا مؤسسات ولا مرجعيات، تكرس القانون والمنطوق الدستوري، وتأمر من يُخطىء بالعودة عن خطئه تحت طائلة الاقتلاع. وهنا الطامة الكبرى!