منذ أن ظهرت "حماس" في الحياة السياسية الفلسطينية، وهي تسبب صداعاً داخلياً، سرعان ما تحول إلى تصدع حين تمكنت من الحكم بعد انتخابات العام 2006، وصل إلى أسوأ مدى حين شق الصف الفلسطيني الداخلي بانقسام، لم يستطع الفلسطينيون كافة وضع حد له، رغم مرور نحو سبع سنوات عجاف عليه، ولم تتوقف حدود المأزق عند الحدود الداخلية الفلسطينية وحسب، بل تعدتها إلى دول الجوار، وفي مقدمتها مصر الشقيقة، التي طالما حملها حكم "حماس" في غزة وزر النتائج الكارثية المترتبة على سياساته المغامرة والأنانية، والتي تكرّست في الحصار على غزة. وقد وضعت "حماس" مصر، ومنذ سنوات أمام خيارين أحلاهما مر، فإما أن تتعامل مع حكمها غير الشرعي في غزة على أنه "نظام" مجاور، وفتح المعبر الدولي، وفق اتفاق ثنائي، كما هو الحال بين الدول المتجاورة، أو أن تغض النظر عن الأنفاق، رغم كل ما تحدثه من ضرر اقتصادي ومن ثم أمني على مصر. وتهربت "حماس" طوال الوقت من الحل المنطقي والصحيح، وهو إما أن تعيد اللحمة الداخلية، وتقبل العودة للمصالحة، وتأخذ مكاناً طبيعياً بين الأخوة الفلسطينيين، تحت عباءة السلطة، التي تعود لمعبر رفح، وفق الاتفاق الدولي الموقع عام 2005، وتحرر مصر من الحرج، أو أن تواجه إسرائيل، وتفرض استقلال غزة وتحررها الحقيقي من خلال فتح الحدود المائية، والانفتاح على العالم بأسره، لكنها، أي "حماس"، لا تريد لا التوافق مع الكل الوطني، ولا تجرؤ على إسرائيل! لذا واصلت الضغط على مصر، ثم وجدت ضالتها بعد الانقلاب الذي حدث في الحكم في مصر، ووصول الإخوان المسلمين للحكم في القاهرة، والذين بدورهم وجدوا في "حماس" قوة لهم على شعبهم، تعزز قدرتهم على السيطرة الداخلية، بل ربما انهم وجدوا في كيفية وطريقة وطبيعة الحكم الحمساوي مثالاً لهم، حيث تكاد التجربة تعيد نفسها في القاهرة كما حدث في غزة. فبعد أن شكلت "حماس" الحكومة الفلسطينية العاشرة، واجهت تمنعاً من قبل مؤسسات السلطة، الوزارات والأجهزة، لذا بدأت بتشكيل ما سمي القوة التنفيذية، وكانت هذه القوة غطاء للـ"قسام"، وواجهة لداخلية حكومة "حماس"، التي سرعان ما شنت حرباً على الأجهزة الأمنية، بهدف السيطرة الداخلية بالقوة، وهذا ما قاد إلى الانقلاب العسكري، الذي نجم عنه انقسام داخلي، استند للانقسام الجغرافي للوطن الفلسطيني، وبذريعة تمنع الأجهزة والوزارات عن الانصياع للحكومة الحمساوية. يكاد الحال الآن في مصر يشبه ما كان عليه الحال في غزة خلال العام الأول الذي تلى تشكيل تلك الحكومة، ولو كان الإخوان المسلمون في مصر لديهم "ميليشا مسلحة"، لفعلوا الأمر ذاته، ولعل أول قرار اتخذه الرئيس الإخواني مرسي بإقالة المجلس العسكري، ومحاولته تنصيب قيادة عسكرية موالية، ما يؤكد هذه الوجهة. وربما يقدم الإخوان وهم يرون الجيش المصري يتصرف كمؤسسة وطنية، كذلك إزاء رفض قطاعات واسعة من الشرطة والأمن الداخلي قمع وقتل المواطنين لتثبيت الحكم الإخواني، ربما يقدم الإخوان على تشكيل قوة داخلية، على غرار القوة التنفيذية الحمساوية. إزاء هذه الحالة فإن قوة "حماس" العسكرية والأمنية، يمكن اعتبارها قوة للإخوان، لكن المشكلة هي في كيفية استخدام هذه القوة، بشكل شرعي، وهي قوات خارجية، أي غير مصرية، هنا تبدو الأنفاق مخرجاً مناسباً، وتم تجريب استخدام بعض القساميين في فتح السجون، لذا يمكن القول إن حملة الجيش على الأنفاق، جاءت من اجل الحفاظ ما أمكن على الصراع السياسي داخل مصر، على أن يبقى داخلياً، ولعل رغبة "حماس" ومعها الإخوان، والطرفان متوافقان إلى حدود ما في هذا الأمر مع إسرائيل، على أن تبقى سيناء منطقة رخوة وخاصرة مصرية ضعيفة، لإخراج الجيش المصري من دائرة الصراع السياسي، ومنعه من القيام بمسؤوليته للحفاظ على الدولة المهددة، كما سبق وفعل قبل عامين وحمى الشعب المصري من بطش أجهزة نظام حسني مبارك، لذا فإنه يمكن القول إن إصرار الجيش على تحصين الحدود مع غزة، كذلك متابعة ملف الشهداء الستة عشر الذين قضوا في رمضان الماضي، على أنه أحد أشكال ووجوه تدخل "حماس" في الشأن المصري الداخلي، وأن غزة بحكمها الحمساوي إنما فتحت الطريق ليس فقط إلى تصدع الحالة الفلسطينية، بل وكما يفعل الفيروس، تحولت إلى مرض، بدأ يصيب الجسد المصري أيضاً، الذي ربما لن يمر طويل وقت حتى، يسبب الإرهاق والتصدع للدولة المصرية، ما لم يواجه الفيروس الإخواني بمضاد حيوي شديد الفاعلية والقوة. Rajab22@hotmail.com